نعم حدث التبدّل فاختلفت الموازين ومعها المعادلة حين دخل الشعب الميدان، وحين قرر أن يمسك زمام قراره ويقوم بالتغيير ..
عقود فوق عقود ونظام الاستبداد المتكلس، المتغطرس يصول ويجول كالطاووس، بل كالوحش المفترس الباحث عن الضحايا والدماء معلناً (انتصاراته) الكثيرة على حقوق الشعب وأمانيه، وممعناً بالاستفشار والاستعلاء وامتهان الكرامة وإنسانية الإنسان، مطلقاً العنان لكل أنواع القمع المنهج، والإبادة المنظمة للرأي الآخر، ومعها عمليات النهب المعمم والإفساد المبرمج لتحويل الوطن إلى ضيعة مختومة باسم(القائد ـ الزعيم ـ الملك) المثقل بالأوسمة والنياشين والثروات المنهوبة، والصلاحيات المطلقة، ومن حوله العائلة والعشيرة والمقربين في نظام غرائبي أقرب لنظم المافيا الفالتة من أي رقيب أو حساب .
عاث الاستبداد طويلاً وهو يفتك بالخلايا الحيّة للأمة : تصفية واغتيالات واعتقالات وملاحقات متعددة الأشكال، وحصاراً وحملات تشويه، حتى إذا ما نام دهراً على تابوت الشعب ازداد استهتاراً وصلفاً وكأنه خالد، مؤبّد ..
فجأة يشعل البوعزيزي الشرارة وإذ بالدنيا غير الدنيا، وإذ بالشعب غيره ما اعتقد الحكام، وإذ بالشباب يتقدّم الصفوف بصدور عارية وإرادة صلدة، ومستوى راقياً من التنظيم والاحتجاج والارتفاع بالمطالب من تلك الإصلاحية والمطلبية إلى الشيء الطبيعي : إسقاط النظام .
علّقت تونس الجرس فالتقفته الكنانة ثورة من أهم ثورات الشعوب وهي تحمل معها تأثيرها الساحق، وإذ بالأرض العربية من المحيط إلى الخليج تمور بالغليان فيحطم الشباب توابيت الموت، ويقتحمون قيود المنع والقمع، فيخترقون الخوف ويلقونه أرضاً ليكتشف الجميع أي نوع من الحكام هم من يتسلط على مقدرات شعوبنا، وأي صنف من السرّاق والبلطجية والغباء والصلف هؤلاء.. وإذ بالعرب يصنعون التاريخ بعد أن غيّبوا عنه قرونا .. تاريخ عصر الشعوب وتأسيس الدولة المدنية . دولة الحريات الديمقراطية التي لا مكان فيها للتأبيد والاستبداد والدكتاتورية والقمع.. وإذ بمعادلة جديدة تنبثق من شلال الدماء والتضحيات معلنة أن زمناً آخر مختلف يهلّ علينا.. وأن نهاية الاستبداد قد قربت.. وأن الشعوب هي المرجع، والأبقى والأقوى، وهي البداية والنهاية . الوسيلة والغاية .
*****
عقود والمعادلة شديدة الاختلال لصالح نظام الاستبداد حين تمكن في معاركه المستمرة من تحقيق (الانتصار) الساحق على المعارضة والقوى الشعبية، وأدخل مجتمعاتنا في غيبوبة التدجين والفزع والنفاق والمسخ والشق ومحاولات التفتيت وبعث الجرثمة القديمة والجديدة لتفتك بالخلايا الحيّة والوحدة الوطنية وبذهنه أنه تأبّد، وأن الشعب خاضع، خانع، قانع (بالمقسوم)، ولا ينقصه سوى المزيد من تمجيد القائد الملهم وعصاباته الحاكمة، وإعلان الولاء والطاعة(حتى قيام الساعة) .
لم يسمع أحدهم لأنّات الجوع، وصراخ الثكالى والمعتلين بكل أمراضهم الناتجة عمّا يفعله الكبت بالبشر، ولم يرَ أيّهم ملايين الباحثين عن اللقمة في المزابل، القاطنين في المقابر والمحاشر والعشوائيات، القابضين على جمر الوطن وأحلام الفجر القادم يوماً، ناهيك عن أدنى الحقوق الطبيعية للمواطن، فاستفشروا وهم يعبثون ويقبرون الأحلام والأماني، وهم يركلون الوطن إلى حضيض تخلفهم، وزرائبهم، واستثماراتهم، ونهبهم الذي لا يشبع، ولا يقف عند حدود، وفي حين كانت المطالبات جد معتدلة، وشديدة (الرخاوة) والمرونة والعقلانية التي لا تتعدى القيام ببعض الإصلاحات والإجراءات التجميلية واجهوها بصلف القوة، والاعتقال، والقنص، والأحكام الجائرة التي كان وقودها آلاف المناضلين والناشطين السياسيين من كل المشارب والأطياف، بينما آلة الكذب تدور طافحة بالتهم الفاسقة، والأحكام الجائرة (والأمة في قاع القاع) بسببهم، وهم يستسخفون عقول الشعب بتلك (الجرائم) التي ” تهن نفسية الأمة” فتلقي بالمناضلين أعواماً في المعتقلات !!! .
لم يظهر”كرمهم” ولطفهم، وحسن معشرهم، وشعبيتهم عقوداً ..إلا حين انزنقوا، وحين صرخ الشعب بملء الصوت أن ارحلوا، وإذا بهم(بشر عاديون)، و”شعبيون”، ومتواضعون، وفوق ذلك : ” شديدو الكرم والرحمة” وهات يا مراسيم وقرارات، وهات يا التفافات ورشوات، وهات يا صيحات الاستغاثة : أن أعينونا أيها الشعب.. لأننا نحبكم.. ولأن العيون لا تنام سهراً لأجل راحتكم !!! ..معتقدين بذلك أنهم يلفون ثم يدورون على حقوق الشعب فيسامحهم على جرائمهم المتلتلة .
******
(الرئيس الشاب) الذي فرضه توريث مرتّب على صدر وأقدار سورية.. حقن نفسه وأحاديثه بكثير من فذلكات المصطلحات القابلة لتأويلات متعددة، خاصة لمن يريد تفصيص حروف اللغة العربية، وموقع حروف العلة والجر وإشارات التعجّب والاستفهام، وموقع النقط فوق الحروف، وتشكيل الظروف، ومداليل الكلمات فداخ كثير، وأطرق كثير بانتظار حل الألغاز، وفك مجاهيل المعاني، وإذ بالاستبداد مغلفاً بحبر التغرير والتمرير، وإذ بالشعارات المتقيّئة تعلن الانتحار على قباب المساجد وأجراس الكنائس فيرددها زمان التكلّس والتخويف.. وإذ بالإصلاح تفتيق العبقرية المنفلتة من كل عقال معلنة الإمعان في النهج الأحادي الرافض لكل إصلاح حقيقي، حين يسقط المعهود جميع الوعود وحين يتلاقى المستبد مع أشقائه : (أنا أو الطوفان)، والأنا هي فعل القتل المنظم لكل من يرفع رأسه، وليبيا المثال الفاقع، ودرعا(أول الغيث) .
كثيرون من أصحاب النوايا الطيّبة، والقلوب الرحيمة تساءلوا كثيراً، ومراراً عن السرّ العجيب في عناد حكّام الاستبداد وعنجهيتهم، وتراجعهم، وتنازلاتهم في الوقت الضائع، ولماذا لم يقوموا(طالما أنهم فلتة الزمان) في استباق الانفجار وتطويقه، أو إغراقه ببعض الإجراءات الإصلاحية(بعض التنازلات الشكلية)، ولماذا يصرّون على عنجهية الرفض حتى إذا ما داهمهم طوف الشعب باتوا كالقملة المفروكة، أو الوحش الضاري.. لماذا وألف مثلها في أعناق الاستبداد تؤكّد أنهم صادقون في شيء وحيد : تمسّكهم بالحكم حتى آخر مواطن(إن قدروا)، ولا مانع لديهم(جميعاً بلا استثناء)، من (إعلان الحرب) المفتوحة على الشعب، ومن استخدام كل تركة التخلف والقتل، ووسائل الفتك كي يبقوا..وكان القذافي المثال النقي عنهم، وما يفعله مستبدّ اليمن، والبحرين.. وغيره..شواهد تفقأ عيون الحقائق، بينما يدخل السباق رئيس الحكم السوري مسجلاً(أصالته) منذ لحظة إطلاق صافرة التاريخ السوري الجديد، ومجدداً تاريخاً لم تنسه أبداً ذاكرة الشعب السوري في عموم المدن والبلدات، وحماة الشاهد الأبدي، وتدمر تحكي أوابد التكرار، وذلك الغرب الذي دعمهم وحماهم وحالفهم عقوداً، والذي يواجه اليوم حرج دفق وثورة الشارع التي وضعته في الزاوية الحرجة، فيرتجّ هنا، ويتحمّس هناك، وتبرز الازدواجية التي عهدناها حاملة على الأعناق مصالح المصالح التي تحركه، ودوسه، حيثما قدر، على أماني الشعوب وحرياتها الديمقراطية .
*****
دعاة الإصلاح في بلدنا الحبيب كلّوا وهم يأملون ويتأملون، ونشف حليب انتظارهم وما حصّلوا سوى الوهم، والعناد المكابر، وما زال بعضهم يلهث حتى الآن عسى أن يختلط الوهم بالحلم فيفاجؤهم حاكم الحكام ببعض الفتات، لكن شعبنا يقتحم الخوف شرارات منذرة، وبيارق مبشّرة، ليعلن أنه قادر على اختراق محرّمات النظام، وأنه صمم انتزاع حقوقه بيديه، لأن جميع المراهنات على الإصلاح الداخلي قد ماتت، وهي ميّتة بالأصل عند كل من يعرف جوهر هذا النظام وفلسفته، وركائز اعتماده، وطريقة تفكيره، وبعابعه المصنّعة، وتكتيكاته المتشقلبة، واهتراء زمن الخداع بحمل بيارق الممانعة والمقاومة، وانكشاف حقائق المساومة، وأن الحرية غالية المهر، وسيدفعها.. وها هو يدشّن البداية ليلتحق بأخوته في سوح وميادين الحرية، فتنتصب درعا رمزاً عالياً تصرخ بدمائها من عمق تاريخ طويل : أن الشعب لن يخنع، ولن يخاف، وأن زمناً جديداً تستحقه سورية، البلد الحبيب .
ـ وفي حين كنا نتمنى أن لا تطأ قدم أجنبي شبراً من الأرض العربية، وأن لا يجرّ الاستبداد الأوضاع إلى تدخّل القوى الخارجية(بشرعية أممية أم بدونها)، لكن الإصرار على قتل الشعب بهذه الطريقة الغريبة وإعلان الحرب الرسمية عليه، واستخدام كل آلة الحرب والدمار ضد المدنيين.. فتحت المجال واسعاً لحضور الخارج بقوة وبأغطية شرعية، بل وحتى شعبية، وكأنّ حاكم ليبيا(وهذا ما أشرت إليه في مقال سابق) كان يستدعي بقوة هذا التدخل ليرتدي لباس الوطني الذي يدافع عن تراب الوطن وحدوده، في حين أنه لم يترك ثقباً واحداً، ومنذ بداية الأحداث ـ الثورة السلمية ـ لإمكانية الاستماع إلى مطالب وصوت الشعب، والتصرف من موقع المسؤولية عن شعب ووطن، ذلك أن غرور النرجسية، وأمراض الذات المتورّمة سرطانياً لا تسمح لمستبد أن يتواضع فيتنازل ولو قليلاً ليدرك أن لديه شعباً له حقوق ويملك حلماً في التغيير، وتنفّس هواء نقياً بعيداً عن الهواء الفاسد، المعلب . إن جميع العرب الأحرار يرفضون أي وجود أجنبي في الأرض العربية، ومستعدون لمقاومته، والشعب الثائر أكثر من يعرف كيف يصون حريته واستقلاله، وكيف يحارب كل من يمسّ أهدافه .
*****
لقد انقلبت دنيا العرب، فاختلّت المعادلة .
عقود متلتلة ونظام الاستبداد وحيد يصول ويجول بعد أن انتصر على الشعب وقوى المعارضة، ويبدو أنه رقد وغفا وارتخى فوق هذه الحقيقة.. حتى إذا ما داهمته(تسونامي) الشعب ارتجف فخرج الزبد غاضباً، كحلياً يقاوم الحقيقة محاولاً ليّ عنقها، أو تحطيمها بما يملك من وسائل..رافضاً الاعتراف أن زمناً آخر يفرض منطقه عليه، وأن معادلة جديدة يصوغها الشعب ستشقّ طريقها وتدخل الميدان رغماً عنه لزحزحة تلك المعادلة وحيدة الجانب، وإقامة وضع جديد .
نعم.. لقد تغيّرت المواقع، وحدث تبادل فيها، وللمرة الأولى منذ عقود وعقود تنعكس الآية، فينقل الشعب الخوف إلى قصور وحصون الحاكم، ويجبره على الكوبسة بالقادم، وبالذهن المصير البائس لحاكمي تونس ومصر في قائمة مفتوحة تشملهم جميعاً.. لذلك يحاولون منذ أيام بدء عملية الهجوم المعاكس التي كان حاكم ليبيا أشرسهم، وأكثرهم نقاء وصدقاً فيها : إعلان الحرب المفتوحة على الشعب، ورفض الرحيل .
في هذا الإطار يأتي التدخل السعودي(والخليجي) السافر في الحالة البحرينية، ومحاولة خلط الأوراق فيها، وابتزاز مجموعة من الأوضاع والتخوّفات كفزاعة تعمل على تشويه ثورة الشارع البحريني، وطمس حقوقه في نظام ديمقراطي قائم على المساواة والتكافؤ البعيد عن الانتماء المذهبي، وتحويل ممالك الاستبداد المطلق إلى نوع من الحكم الدستوري الذي يقرر ممثلي الشعب المنتخبين .
إن محاولة تجيير ثورة الشارع البحريني لصالح أجندات إقليمية(إيران بالتحديد)، وإدخال الجيوش الخليجية لقمعها بالقوة.. تفتح الأبواب على مصاريعها لكل أنواع التدخلات الخارجية، وتعزز الشروخ العمودية التي تغذيها نظم الاستبداد كلها، بما فيها نظام إيران الاستبدادي، وكذا القوى الخارجية، خاصة الصهيونية العالمية وكيانها الاستيطاني.. في محاولة لإجهاض ثورات الشعوب العربية، وإغراقها في مستنقعات متخلفة يسهل صيدها فيها، أو تلطيخها .
وإذا كان نظام الاستبداد المتفسخ يلجأ كثيراً هذه الفترة إلى يافطات المؤامرة الخارجية(وكأنه في الموقع الوطني، وكأنه لم يودي بالأمة وقضاياها)، فإن التهمة مردودة عليه، لأنه هو بذاته المؤامرة على الأمة وحقوقها، وهو المدمّر بتنهيج لحقوقها ومصالحها وحاضرها ومستقبلها، وهو الحليف الأكبر لها، واليد الضاربة في مخططاتها . أكثر من ذلك : إنه من يفتح الأبواب، بممارساته وقمعه وقهره لها كي تتسلل من جميع المنافذ التي يمكن أن تكون موجودة فيه، أو عبر الثغرات التي تحدث نتيجة مرحلة الثورة، والانشغال بالهدف الرئيس، أو في المرحلة الانتقالية الصعبة، وتعدد المهام، وتنوّع المصالح والخلفيات والبرامج، وقوة بقايا النظام، وقوة نفوذ تركة العقود .
إن المندّسين الحقيقيين ليسوا سوى كلاب الأنظمة وخناجرها المسمومة الذين ترسلهم لتشويه نقاء انتفاضات الشعوب ومحاولة طعنها بمقتل في الخلف . هم جراثيم المرض، بل إن أكبر مندّس هو الاستبداد وممثليه، وليس الشعب الذي صبر عليهم طويلاً، وتحمّل فوق طاقة البشر، ولم يبق له سوى الانفجار .
نعم..تغيّرت المعادلة بدخول الشعب الطرف الرئيس فيها، ولم تعد قائمة على عامل واحد(النظام)، وهي معادلة تبحث عن توازنها الطبيعي في الميدان، وعبر سيرورة صعبة من التضحيات، والصمود، والإرادة حتى انتزاع الحق المغتصب ..لكنها المعادلة التي ستعرف كيف تقيم العدل، وكيف تواجه إرث الاستبداد فتفتح الأبواب لهواء الحرية، وإدخال بلادنا العصر الحديث .
الجزائر 19/3/ 2011




















