وسام سعادة
لن يجد خالد مشعل مكاناً سانحاً لتنظيم "إعتصام" دائم ضد السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، في أعقاب العدوان على غزّة، على غرار ذاك الذي نظّمته قوى 8 آذار في لبنان لعام ونصف عام ضدّ حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، بعد أشهر قليلة على إنتهاء حرب تمّوز آب 2006.
يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى أنّه، وبخلاف التجاور الجغرافيّ، بل التداخل، بين قوى 8 و14 آذار على الخارطة اللبنانيّة، فإن التباعد الجغرافي بين الضفّة الغربية التي انكفأت إليها حركة "فتح" وبين قطاع غزّة الذي استأثرت به حركة "حماس" هو الذي يحكم اللعبة، وما عاد في بال أحد أن يطلب من الإسرائيليين ممرّاً آمناً يصل الضفّة بالقطاع.
والإتجاه الإنفصاليّ كرّسه إنقلاب "حماس" في حزيران 2007. لكنّ الحركة الإسلامية كانت قد ورثت هذا الإتجاه في الأصل عن محمد دحلان. فمع إنسداد الأفق أمام الإنتفاضة الثانية خيّم خطر الإنفصال بين "فتح" في الضفّة و"فتح" في غزّة. ثم جاءت هزيمة الإنتفاضة الثانية (الإنتفاضة الأولى أيضاً كانت قد أخفقت في نهاية الثمانينيات وليس صحيحاً أنّها ظلّت مستمرّة إلى أوسلو)، فجذّرت هذه الهزيمة هذا الإفتراق الكيانيّ بين الضفّة والقطاع، وهذا البعد الإنفصاليّ الجغرافي الذي كان محصوراً داخل "فتح" لعدّة أعوام، إتخذ مساراً آخر بعد أن لجأت اسرائيل إلى أسلوب لسجن الشعب الفلسطينيّ في الضفّة (الجدار العازل وتقطيع أوصال المنطقة والتمادي الإستيطانيّ) مختلف عن أسلوب سجن الشعب الفلسطينيّ في القطاع (الإنسحاب الأحاديّ وإيجاد وضعية تحت السيطرة على المعابر وتخريب المستوطنات هناك).
والمشكلة، كلّ المشكلة، أن الموقف الفلسطينيّ عموماً، وموقف حركة "حماس" بشكل خاص، اتسم بـ"الإنفعال" لا بـ"الفعل"، طبقاً للقوالب التي فرضها المحتل حين وضع نموذجاً للتعاطي مع الضفّة مختلفاً عن النموذج الذي وضعه للتعاطي مع غزّة، وكان الخط الإنقلابي الإنفصاليّ هو التتويج لهذا الإنفعال، بل لو شئنا المصارحة أكثر لقلنا ان المسار الإنقلابي الإنفصاليّ هذا بدا شبه حتمي يوم فازت حركة "حماس" بلعبة لا تعترف بقواعدها وقوانينها، أي بلعبة الإنتخابات التشريعيّة، ذلك أنّها كانت في الأصل إنتخابات ينبثق عنها مجلس تشريعيّ للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، وهذه السلطة هي إطار إنتقاليّ أوجده في الأساس إتفاق بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيّة، إتفاق مبني على الإعتراف المتبادل، في حين أنّ حركة "حماس" غير مستعدّة للإعتراف بدولة إسرائيل بأي شكل من الأشكال، وهي من خارج منظمة التحرير الفلسطينيّة. لماذا شاركت "حماس" إذاً في لعبة تعارضها؟ هل كان لتغيير قواعد وقوانين هذه اللعبة أم تعطيلها؟ الواقع أجاب: أسهم الفوز الإنتخابي لـ"حماس" في الإنتخابات التشريعيّة في نسف اللعبة من أساسها.
تاريخياً، أرادت حركة "فتح" اقتباس شيء من تراث الحركة الصهيونيّة نفسها، للخروج بنموذج تقاتل به الصهاينة أنفسهم. لطالما شبّه الرئيس الراحل ياسر عرفات نفسه بديفيد بن غوريون، على اعتبار أنّه سيقيم دولة وطنية للفلسطينيين بالتدرّج، على غرار إسهام بن غوريون في تأسيس دولة قوميّة لليهود بالتدرّج. الفائدة الأساسية من هذا الإقتباس أنّها أقنعت "فتح" سريعاً بفكرة قيام دولتين متجاورتين، فلسطينيّة وإسرائيليّة. أما الضرر الأساسيّ من هذا الإقتباس فاتخذ شكل إيمان إرادويّ بسهولة اللعب على التناقضات، للحفاظ على "القرار الوطنيّ المستقلّ".
بخلاف "فتح" التي اقتبست نموذجها من عدوّها، فقد انساقت "حماس" وراء "النموذج اللبنانيّ"، أي نموذج "حزب الله" وتحرير الجنوب، مسقطة من حسابها الإختلاف الكبير بين ما يمكن أن ينتهجه الإسرائيليون حيال أي بلد من بلدان الطوق وبين ما ينبغي أن يسلكوه، إذا ما أرادوا أن يبقوا إسرائيليين، حيال المناطق الفلسطينيّة وحيال الشعب الفلسطينيّ. لكن "حماس" وجدت في الإنسحاب الأحادي الإسرائيلي من قطاع غزّة ضالّتها، فأخذت تماهي بينه وبين الإنسحاب من جنوب لبنان، ورأت أنّ الأمور ميسّرة لها في القطاع كي تصنع منه "ضاحية جنوبية" أخرى، فأقدمت على ذلك دون قلق من التبعات، ثم وجدت نفسها مسجونة والمعابر مقفلة في وجهها، فأخذت تتعامل مع قضية إستراتيجية مثل قضية المعابر كما لو أنّها قضية مزارع شبعا، ثم كان العدوان الإسرائيلي الذي ارتكبت فيه جرائم حرب كثيرة، فظلّ همّ حركة حماس محصوراً بعدم تضييع "النموذج اللبنانيّ"، وجرى تقليد هذا النموذج وشعاراته يوماً بيوم. لكن الفارق جاء من الجانب الإسرائيليّ: لم يضع هذا الجانب خطّة عدوانيّة ضد غزّة مختلفة تماماً عن خطّته تجاه لبنان، إنّما اعتمد الخطّة نفسها.. ناقص معركة مارون الرّاس.
وفي وقت حاول رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنيّة أن ينتقي من "النموذج اللبنانيّ في المقاومة" إنتصاريّته، داعياً في الوقت نفسه إلى استثمار الإنتصار في الوحدة، فقد سارع رئيس المكتب السياسيّ لـ"حماس" خالد مشعل إلى التأكيد على ضرورة التقليد الكامل لـ"النموذج اللبنانيّ في المقاومة" دون أي إجتهاد، داعياً إلى استثمار هذا الإنتصار في ما يشبه "إعتصام ساحتي البرج ورياض الصلح" كما كان الحال في لبنان.
غاية القول ان النموذج اللبنانيّ في المقاومة غير صالح للنقل كما هو إلى فلسطين، وتحديداً إلى غزّة، وخصوصاً إذا ما مرّ هذا النقل بدمشق وخالد مشعل. وإذا صحّ ذلك فإن النموذج الحمساوي المقتبس في الأصل عن هذا النموذج اللبناني في المقاومة غير صالح للبناء عليه على طاولة الحوار اللبنانيّة، ولا يمكنه مصادرة هذا الحوار وضرورة المناقشة في الإستراتيجية الدفاعية.
"المستقبل"




















