كثيرة هي الأغاليط التي تكتنف مفكّراً وفيلسوفاً بلوريّاً كمارتن هايدغر (1898 ـ 1976) ؛ ذلك أن كثرة الألوان التي صدرت عنه ما كانت يوماً هي نفسه، بل انعكاسات الضوء الشعث للناظرين المؤوّلين.
هايدغر ما كان متصوّفاً مستشرقاً ؛ وإن حاول بعضهم أن يجد لفكره استلهامات شرقيّة، ففيلسوف الغابة السوداء ما كان بالباحث في "الشرق" عن "عزاء ميتافيزيقي" بل إنه من عزاء "الغرب" الميتافيزيقي هرب وسعى لتجاوزه. يقول: "إن قناعتي الراسخة، هي أنه وحده بدءاً من محلّ العالم الذي نشأ عنه العالم الحديث، يمكن تهييئ منعطف، وأن هذا المنعطف لا يمكن أن يتحقق بتبني مذهب البوذيّة، أو مذهب الزن، أو تجارب للعالم أخرى كان منشؤها في الشرق. إن منعطف الفكر يحتاج إلى مساعدة التراث الأوروبي، وتملك هذا التراث، والاستئثار به من جديد. فشأن الفكر ألاّ ينعطف إلاّ بالفكر الذي يغرف من منبعه نفسه، ويؤول إلى ذات مصيره".
وهايدغر لم يكن "مفكر البيئة" كما أراده دعاة "النزعة الإيكولوجيّة الجذريّة" ؛ ففيلسوف المعتكف كان أبعد ما يكون عن أيّ حمية بيئيّة صوفيّة مغالية ولا نمّ فكره عن مسعى إلى "التخلي عن التقنيّة" باعتبارها "من عمل الشيطان"، و"العودة إلى الطبيعة العارية". ولئن لاحظ هيمنة مبدأ "العاقليّة" على العصر الحديث، فإنه لم يكن ليدعو إلى أيّ استلهام روحي أو استشراف نبوئي حتى ينظر في هذا المبدأ، وإنما كان يستحث على إعمال "صبر الفكر التاريخي وجَلَدِه وأناته". ولئن عمد مغالو دعاة البيئة إلى تجريد الإنسان من "أمانة" حفظ "الكون"، وبادروا إلى عزله من مهمته ـ إما بدعوى إخلاله بواجبه، أو بدعوى أنه ليس بشيء حتى يتحمل مسؤوليّة الشيء ـ فإن هايدغر ما فتئ يلّح على أن الإنسان وحده هو الذي أنيطت به مهمة الاستعهاد والاستئمان تجاه الكائنات.
وإن رام "أهل الاختلاف" أن يجعلوا من هايدغر "مفكر الاختلاف" فإنهم صدموا بآرائه حين أرادوا أن يجعلوا منه "مفكر اختلاف اجتماعي وثقافي وسياسي"؛ فهايدغر ما كان صاحب نظر في فلسفة الاجتماع والسياسة وكان شديد الريبة من دعاوى "حقوق الإنسان" و"الديمقراطيّة". وهذا ما أثبتته رسائله إلى المفكرة السياسيّة حنة آرندت (1906 ـ 1975) إذ أنه تحاشى دوماً النظر في السياسة بل أكثر من ذلك فقد عدّ نفسه من الجهلة بما يحاك في مضمار السياسة وطلب لنفسه البراءة من اعتبارها.
ولئن الفيلسوف الإلماني ما كان مفكراً بأمر "التصوّف" ولا بأمر "البيئة" ولا بشأن "الاختلاف الثقافي"، يرى محمد الشيخ، وبالعودة إلى "بسائط المفاهيم" إلى افتراض أن فكر هايدغر انطلق واستند على ثلاثة مفاهيم: "الإنسان" و"الكائن" و"الكينونة". والحال أن الناظر إلى انتظام هذه المفاهيم، في فكر هايدغر، لا يصعب عليه اكتشاف سر تشابكها المتين، الكامن في صدورها عن "مقدمة مقدمات" فكر هايدغرة التي بنى عليها ما بناه من أنظار فلسفيّة.
إن الفارق بين "الإنسان" و"ما سواه من الكائنات" إنه "الكائن" الوحيد الذي يستأثر بمفتاح المدخل إلى "الكينونة". وما مرد استئثار الإنسان بقهر الكينونة إلاّ إلى انفتاحه. إذ هو الكائن الوحيد "المنفتح" غير "الموصود" على نفسه، المنشغل بمحيطه الضيق، المستغرق في دائرة اهتماماته. وإنه، أيّ الإنسان، الكائن المنفتح والمنشرح الذي استودع كنه الكينونة سرّها واستعهده واستحفظه. هذه هي باعتبار الباحث، الفكرة الأساس التي نهضت عليها دعائم أنظار فكر هايدغر في ما نظر.
أمّا الحداثة، موضوع كتابنا، فيسمها فيلسوف الغابة السوداء بمياسم ثلاثة: التقنيّة والميتافيزيقا والدكتاتوريّة. ويسم زمن الحداثة، تأسياً بسلفه نيتشه، بميسم "اسوداد العالم وإظلامه وإعتامه واغتمامه"، وكما يسمه، تأسياً بالشاعر هولدرلين، بوسم "انسحاب الآلهة وأفولها وغيابها". ويضيف إلى هاتين السمتين ثالثة هي "اجتياح الأرض وتدميرها" ورابعة هي سمة "تنميط الإنسان وتوحيده وتسطيحه" وخامسة "سوء اعتبار كلّ أمر خلاّق مبدع متفرد". وجعل من الثواني (أيّ فرار الآلهة، تدمير الأرض، ظهور الإنسان القطيعي النمطي، سيادة الأمر الرديء والحكم المسفّ) أحداثاً تدل على الأمر الأوّل (أيّ اغتمام العالم واعتمامه وإظلامه). هذا ويشير الكاتب إلى أن هايدغر وسم ما دعاه "كنه الأزمنة الحديثة"، في دراسته عن نيتشه، بسمتين: صيرورة الإنسان "ذاتاً"، ودركه المستحدث لكينونة الكائنات بما هي "تمثّل". وفضلاً عن هذه التوسيمات، وسم هايدغر الزمن الحديث، في مقاله عصر تصوّرات العالم، بخمس سمات، هي: العلم، التقنيّة، اعتبار الفن من وجهة النظر الجماليّة، وتنامي دور مفهوم الثقافة، وفقد الآلهة. والعصر الحديث، عنده ، الذي يبدأ مع ديكارت وينتهي تارة مع هيغل وطوراً مع نيتشه وأحياناً أخرى مع هايدغر وما تلاه، يصفه أوّلاً بعصر "التقنيّة"، وثانياً بعهد "العموميّة"، وثالثاً بعهد "انفقاد المعنى وغيابه".
والمترتب عن توصيفات الحداثة هذه أحوالاً مضطربة صار يحيا عليها الإنسان الحديث حتى صار حال المحدثين حالة تيه. ولكن هايدغر يدعونا إلى تجاوز التلبث بتوصيف الحال إلى تأمّله واعتباره، أيّ استبدال الفكر الواصف بالفكر المتأمل. وعنده لن يتم هذا التأمّل على وجهه الأحقّ إلاّ إن بادرنا إلى تأمّل الأسس الميتافيزيقيّة التي قام عليها عصرنا. وليس الفكر المتأمّل هذا إلاّ ضرباً من التفلسف الأصيل، أيّ تلك الفلسفة التي تسأل عن كيفيّة التخلّص من نظريّات الأفول والحنين، لتنهمّ إيجابيّاً بالتفكر بحالنا والتأمّل بوضعنا. ولهذا فهو يدعونا لـ"استكناه روح العصر" و"درك عمق كنه الأزمنة الحديثة".
إن "ما لم يفكر فيه فكر مفكر ما" ضمن ما "أمكنه التفكير فيه" من قضايا لأعظم ما يمكن أن يمنحه هذا الفكر، وأن يهبه للناظر في "تاريخ الفكر". و"ما لم يفكّر فيه" هايدغر يعسر علينا التفكير فيه الآن، وذلك لقرب المسافة واقتراب العهد. ولربما كانت القرون المقبلة، كما يؤكّد الكاتب، في جزء منها، محاولة للنظر في ما نظر فيه هايدغر وما لم ينظر.
[ الكتاب: نقد الحداثة في فكر هايدغر
[ الكاتب: د. محمد الشيخ
[ الناشر: الشبكة العربية للابحاث والنشر، بيروت 2008
"المستقبل"




















