قبل ان يتوصل الثنائي, رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين ورئيسة الحكومة الاوكرانية يوليا تيموشنكو, الى اتفاق بشأن إعادة تزويد اوروبا بالغاز الروسي الطبيعي المنقطع منذ عشرة ايام, عبر اوكرانيا صباح الاحد الماضي, كانت الساحة السياسية الاوروبية تشهد اجتماعات محمومة على مستويات متعددة, شبهها بعضهم بـ"حرب قمم", لإيجاد حل لهذه الازمة التي ترافقت مع موجة صقيع شديدة ارغمت العديد من دول اوروبا الشرقية اللجوء الى تقنين حاد في استخدام هذه المادة فتباطأت الحركة الاقتصادية او توقفت كلياً. فمن قمة دعا اليها, الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف, قادة الاتحاد الاوروبي للإجتماع في موسكو في السابع عشر من الشهر الجاري للبحث عن حلول لهذه الازمة, بعد تعثر الاتفاق مع السلطات الاوكرانية؛ لكن القمة لم تعقد واستعيض عنها بإحتماع ضم نواب رؤساء حكومتي الجمهورية التشيكية والتركية, وردت الرئاسة الفرنسية بانها لن تحضر لأن الخلاف ثنائي بين روسيا واوكرانيا ويجب حله على هذا المستوى. وللهدف ذاته, دعا رئيس الاتحاد الاوروبي, في هذه الفترة, الرئيس التشيكي, الى عقد قمة لست دول من اوروبا الشرقية, الأكثر تضررا من هذه الازمة, لم تعقد ايضاً هذه القمة واستبدلت بإجتماع ضم الرئيسين الاوكراني والسلوفاكي ومسؤولين كبار من مولدافيا وبولونيا.
في تقرير صدر مؤخراً عن إحدى اللجان المختصة في الاتحاد الاوروبي, جاء ان لروسيا تأثيراً قوياً على سياسة بعض دول الاتحاد التي تعمل جاهدة على عدم إغضاب موسكو حرصا على مصالحها من الطاقة, وخصوصا من الغاز الطبيعي الذي تتزود به بلدان القارة بحوالي الـ 25 بالمئة من استهلاكها العام, وبعد ان اخذت السلطات الروسية تستخدم هذه المادة كسلاح في خدمة مصالحها السياسية. لا مبالغة في هذا الاستنتاج, اذ ان دولتين مهمتين من دول الاتحاد هما فرنسا والمانيا, هددتا بإستخدام الفيتو في القمة الاطلسية التي عقدت في رومانيا ـ بوخارست ـ في الاول والثاني من نيسان الماضي,
اذا ما طرحت الادارة الاميركية اقتراحها بإنضمام اوكرانيا وجورجيا الى المنظمة الاطلسية؛ والاعتراض الفرنسي ـ الالماني مرده المعارضة الشديدة التي ابدتها موسكو للإقتراح الاميركي.
وهكذا نأت بلدان الاتحاد الاوروبي الرئيسية بنفسها عن التدخل المباشر في ازمة ضخ الغاز وتركت امر المعالجة لروسيا واوكرانيا. تداخلت عوامل عديدة في الازمة من اهمها: عدم ثقة الكرملين بالرئاسة الاوكرانية منذ العام 2004 على اثر قيام الثورة البرتقالية التي اوصلت الرئيس الحالي فيكتور يوشنكو, المعروف بميله الشديد للمعسكر الغربي؛ ثاني هذه العوامل رغبة موسكو في إعادة نفوذها الى الجوار الروسي مستخدمة شتى الوسائل ومن اهمها الضغوطات الاقتصادية وخصوصا الثروات الطبيعية من غاز وبترول لتحقيق هذه الرغبة . في هذا الإطار اتى الاتفاق بين بوتين وتيموشنكو, تجدر الاشارة الى ان هذه الاخيرة هي المنافسة الرئيسية للرئيس يوشنكو, على الصعيد الداخلي, اذ تعمل جاهدة لتحل محله في مركز الرئاسة واظهرت, في الآونة الاخيرة,
تقارباً مع موسكو ومن ابرز مظاهره تصويت كتلتها البرلمانية مع المعارضة في مجلس النواب الاوكراني على تشكيل "لجنة تحقيق" خاصة للبحث في ما ينسب للرئيس يوشنكو من تصرفات مشبوهة لا سيما في الامور المالية وعلاقته المشكوك فيها مع بعض رجال الاعمال , ومن شأن نجاح هذا الإجراء الوصول الى الاقالة.
نص الإتفاق الذي اقره رئيسا الحكومتين في الصباح الباكر الاحد الماضي على ما يلي :
اولاً: تبيع روسيا اوكرانيا الغاز "على اساس السعر القائم في بعض الدول الاوروبية", إنما مع نسبة حسم 20 بالمئة للعام الجاري , شرط ان تبقى كلفة عبور الغاز الاراضي الاوكرانية عند المستوى المحدد لعام 2008, اي 1,7 دولار لكل الف متر مكعب ولمسافة 100 كيلومتر.
ثانياً : ابتداء من العام 2010 لن تكون اسعار تفضيلية لأوكرانيا التي تعامل كالمستهليكين الاوروبين الآخرين.
ثالثاً : لم ترشح اي معلومات عن القضايا الخلافية الاخرى وخصوصاً عن قيمة وكيفية دفع الديون الروسية عن كميات الغاز المصدر الى اوكرانيا في الخريف الماضي.
وقد اوعز الرئيسان الى مسؤولي شريكتي غازبروم الروسية ونفتاغاز الاوكرانية صياغة بنود هذا الاتفاق تمهيدا لتوقيعه منهما.
يبقى ان نشير الى ان الاتفاق ليصبح نافذاً بحاجة الى توقيع الرئيس الاوكراني فيكتور يوشنكو حيث ان هذا الأخير كان قد عطًل اتفاقا العام الماضي بعدم توقيعه, وعند ذلك تعود الأزمة الى نقطة البداية وتصبح كل الاحتمالات واردة ان بالنسبة لروسيا وللاتحاد الاوروبي؟
"المستقبل"




















