لا جدال في أن اسرائيل هي دولة استعمارية وإحلالية وعنصرية، قامت على الاغتصاب والعدوان، معتمدة على وسائل القوة الطاغية، التي استخدمتها، منذ قيامها بشكل وحشي وخارج كل المعايير والقيم. مع ذلك ثمة عوامل سهلت على اسرائيل تحقيق أهدافها، ضمنها، مثلاً، تفوقها العسكري، والدعم الاميركي، والمعطيات المواتية لها عربياً ودولياً، وضعف امكانيات الفلسطينيين، واختلاف أطراف حركتهم الوطنية، وتخلف ادارتهم لصراعهم مع عدوهم.
والواقع فإن الفلسطينيين، خاضوا كفاحهم ضد المشروع الصهيوني (وبعده اسرائيل)، على الاغلب، بروح عاطفية وبطرق فوضوية، ومزاجية، ولم يناقشوا او يدرسوا سبل مواجهتهم لهذا المشروع، بمختلف تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يعملوا على تقييم اشكال مواجهتهم له؛ من العمليات الفدائية، الى القواعد الارتكازية في الاردن ثم لبنان، ثم خطف الطائرات، وصولاً الى الانتفاضة الشعبية، ثم العمليات التفجيرية وعمليات القصف الصاروخي.
وبعد ان حصل ما حصل في غزة، مؤخراً، وبغض النظر عن التقويمات المتباينة، فإن الفلسطينيين معنيون بإثارة الجدل بينهم بشأن طريقة ادارتهم لصراعهم ضد اسرائيل، وضمن ذلك دراسة جدوى عمليات القصف الصاروخي، والتمعن في التداعيات الكارثية التي تعقبها، والانطباعات التي تطرحها.
وفي حساب الصراع بالصواريخ، والذي كان أحد سمات الانتفاضة، التي اندلعت اواخر عام 2000، فثمة بضعة ألوف من القذائف محلية الصنع أطلقها الفلسطينيون من القطاع، في حين ان اسرائيل أطلقت بالمقابل ألوف القذائف الصاروخية، من البر والبحر والجو، على مدن القطاع، كما نشطت عمليات الاغتيال والقتل الجماعي ضد الفلسطينيين، ودمرت مئات البيوت والممتلكات فضلاً عن تشديدها الحصار ضد القطاع، وشنها حرباً وحشية ومدمرة ضده، منذ أسابيع.
هكذا، وباستثناء الاثر المعنوي الذي تتركه على الاسرائيليين، فإن عمليات الصواريخ ضدهم، ليس لها من أثر مباشر وقوي عليهم مادياً وعسكرياً. وبحسب "هآرتس" (23/8/2005)، فقد قتل سبعة اسرائيليين فقط بالقصف الصاروخي (من 1040 اسرائيلياً، لقوا مصرعهم بنتيجة عمليات المقاومة المسلحة). بمعنى ان عمليات المقاومة المسلحة، كان لها أثراً أكبر، فضلاً عن إمكان استبدال عمليات الصواريخ بعمليات "تخريبية"، يمكن ان تكون اكثر جدوى.
وفي ذلك تتبدى إحدى المعضلات المزمنة للكفاح الفلسطيني، ليس فقط لجهة التفوق الفادح بالسلاح للجانب الاسرائيلي، والخسائر البشرية العالية للفلسطينيين، وإنما أيضاً لجهة ان عمليات القصف الصاروخي، وقبلها العمليات التفجيرية في المدن الاسرائيلية، أدت الى تكبيد الفلسطينيين خسائر فادحة على المستوى السياسي، وبينت عدم إدراكهم للمعطيات الدولية والاقليمية المحيطة بهم وتخبطهم ومزاجيتهم وتنافساتهم، في إدارة صراعهم مع عدوهم.
فهذه العمليات، أولاً، ساهمت في توحيد الاسرائيليين في مواجهة الفلسطينيين بدلاً من أن تعمق الشروخ بينهم، وهي مسألة يفترض ان تعتبر على رأس أولويات أية حركة تحرر وطني. ثانياً، أدت هذه العمليات، وبالاخص عمليات قصف الصواريخ، وتصنيعها واستعراضها والتباهي بها، الى إظهار الفلسطينيين، أمام العالم، وكأنهم باتوا يتمتعون بنوع من الندية في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية، وأظهرتهم على غير واقعهم. ثالثاً، قدمت مثل هذه العمليات التغطية التي تنتظرها اسرائيل للاستفراد بالفلسطينيين والبطش بهم، بدعوى انها باتت ضحية لـ"الارهاب" الفلسطيني (في زمن مكافحة الارهاب)، وأنها إنما تدافع عن أمن مواطنيها؛ وهذا عنوان حربها على القطاع. رابعاً، أرهقت هذه العمليات الفلسطينيين، إذ حملتهم أكثر مما يحتملوا، في مواجهة غير محسوبة، وليس لها علاقة بأساليب حرب الشعب طويلة الامد، التي تعتمد الاقتصاد بالقوى وعدم الدخول في مواجهات حاسمة، وتحييد عناصر تفوق العدو. خامساً، خلقت هذه العمليات واقعاً معاكساً لنوايا القائمين عليها، وبدلاً من ان تردع اسرائيل، أطلقت يدها في عمليات الاغتيال والتقتيل والتدمير، وبدلاً من ان تمنح الفلسطينيين التعاطف الدولي معهم، ساهمت في عزلهم وفي التشكيك بعدالة مقاصدهم، وبدللاً من نوع بناء جدار الفصل وعزل القدس، والانسحاب الاحادي من غزة، وترك الفلسطينيين لمصيرهم، في دائرة من الحصار والعزل وضعف القدرة، في الضفة والقطاع، كما أدت مؤخراً الى تقديم الذريعة لاسرائيل في بطشها بقطاع غزة.
وربما ثمة من يعتقد ان اسرائيل ستقوم بما تقوم به بعمليات صواريخ وغيرها ام بدون ذلك، وهذا صحيح، ولكن هذا لا يحجب حقيقة ان مستوى عمليات القتل والتدمير والحصار الاسرائيلية تزداد وتتصاعد بحسب طبيعة العمليات الفلسطينية، التي تأتي في غالبيتها غير محسوبة الجدوى ومرهونة بالتنافسات الداخلية، ومن دون ارتباط باستراتيجية سياسية واضحة وممكنة ومتفق عليها.
دليل ذلك ان الفلسطينيين عندما انتهجوا الانتفاضة الشعبية، وسلاح الحجارة (1987 ـ 1993) حيدوا كثيراً الجيش الاسرائيلي، في حين ان المواجهات المسلحة، والعمليات التفجيرية والصاروخية اطلقت يد اسرائيل ضدهم؛ الامر الذي يفترض من القيادات المعنية، قراءة الواقع بصورة صحيحة، ودراسة الامكانيات، وانتهاج طرق النضال التي تقلل من خسائر الفلسطينيين، وتخدم كفاحهم الطويل والمعقد، بعيداً عن التوهمات والمزايدات والمراهنات الخاسرة.
"المستقبل"




















