وسام سعادة
لا يتوقّع أحدٌ أن تباغت "الممانعة" أيّاً من حلفائها أو أخصامها على طاولة الحوار، يوم الإثنين، بجديد تطرحه بشأن "المنظومة الدفاعيّة"، أو بأمر يختلف عمّا سبق لخطبائها ترداده في الآونة الأخيرة.. أو قبل ذلك بسنوات.
بل أنّ مندوبي الممانعة سوف يشدّدون على دروسهم المستفادة من العدوان على غزّة، وهي دروس عزّزت القناعة، الراسخة أصلاً لديهم، بضرورة بقاء المقاومة في حال الجهوزية الدائمة، دفاعيّاً وهجومياً، وجعلها غير مقيّدة بقرار أو بشرط. كما ستكرّر الحيلة الكلاميّة التي تقول بأن من يرجّح حال الحرب من حال السلم ليس لبنان بل اسرائيل، وبالتالي ليس الهدف تمكين الدولة اللبنانية من التقرير في هذا المجال، الأمر الذي ينسف مفهوم السيادة الوطنيّة من أساسه.
وبطبيعة الحال سوف يستخرج خطّ الإستقلال الثاني والإعتدال العربيّ دروساً أخرى من غزّة، دروس تكشف تهافت منطق الممانعين: إذ ثمّة مشكلة أخلاقية وسياسية إذا أعتبر هؤلاء أن إنتصارهم نابع من "عدم التناسب" بين الكلفة الإنسانية والعمرانية العالية التي تكبّدها أبناء القطاع قياساً على ما تقوله حركة حماس عن تواضع الكلفة العسكرية والتنظيمية لخسائرها، وهو ما سبق أن ردّده "حزب الله" وأنصاره في لبنان بعيد حرب تمّوز.
فـ"انعدام التناسب" بين مآسي الأهالي وبين ملاحم المقاومين هو الذي يستحق مناقشة مستفيضة بعد العدوان على غزّة، وخصوصاً عندما تكون هناك مناسبة سانحة، مثل طاولة الحوار نهار الإثنين، للمقارنة الجديّة بين ما حصل لنا عام 2006 وما حصل لأبناء القطاع في الأسابيع الماضية. وإذا كانت مدرسة خالد مشعل تنفي "انعدام التناسب" هذا بين مآسي الأهالي وبين ملاحم المقاومين بدليل أنّ هؤلاء الأهالي أنتخبوا هؤلاء المقاومين أكثرية في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ، فإنّ تسويق الأمر نفسه على طاولة الحوار اللبنانيّة يطرح إشكاليات أخلاقية وسياسيّة مضاعفة: فهل أنّ الناخب اللبنانيّ مدعو لإيصال الذين يراهم مناسبين تشريعياً وخدماتياً وسياسياً إلى الندوة البرلمانية، أم أنّه مدعو لتوكيل طرف بعينه بأن يحوّله إلى مشروع شهيد محتمل؟!
فالعلاقة بين طاولة الحوار والإنتخابات النيابية يمكن أن تطرح من هذه الزاوية. مؤكّد أن أطراف طاولة الحوار لن يتفقوا على إستراتيجية دفاعيّة قبل الإنتخابات، لكن من أهداف طاولة الحوار تبيان طبيعة المشكلات التي سيتوجّب على الناخبين الإجابة عليها، وهي تتعلّق بالإستراتيجية الدفاعيّة بشكل أساسية. ومن أهداف طاولة الحوار كذلك الأمر تبيان حدود تأثير الرأي العام اللبناني، من خلال الإنتخابات وغيرها، على مجرى الخوض في أمر الإستراتيجية الدفاعية. فهل أن نتائج الإنتخابات يمكنها أن تؤثّر على الطرف الذي حسمت لديه الأمور لصالح المقاومة المطلقة بعد حرب غزّة، وكانت حسمت لديه الأمور في الإتجاه نفسه بعد حرب تمّوز، وقبلها بعد إنسحاب أيار؟ وإن لم تكن نتائج الإنتخابات لتؤثّر بأي شكل من الأشكال على هذا الطرف وعلى الأمور التي تبدو محسومة وموصود أمامها باب الإجتهاد لديه، فلماذا الإنتخابات أصلاً، ولماذا المبالغة في إعطاء أهمية للإنتخابات من طرف "حزب الله" خصوصاً وإعتبارها إستمراراً لحرب تمّوز؟
حتى الآن، لم تحرز طاولة الحوار أي تقدّم يذكر في معالجة الإستراتيجية الدفاعية، لكنّها على الأقل أظهرت أنّ الإفتراق حول مفهوم السيادة والخيارات الإقليمية وسلاح "حزب الله" هو العنوان الأساسي للأزمة اللبنانية، وأنّه من ما من سبيل لحسم هذه العناوين لا بالقوة.. ولا بالحوار، فهل تستطيع طاولة الحوار توكيل صناديق الإقتراع بترجيح كفة هذه الرؤية على تلك، وهذا الطرح على ذاك، في موضوع الإستراتيجية الدفاعية، وفي ما يتعلّق بالخيارات الإقليمية والإلتزامات الدولية؟
بالتأكيد، لن يأت "حزب الله" بجديد مغاير لثوابته "المقاوماتية" أمام طاولة الحوار غداً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه على "حزب الله" وعلى الآخرين: هل يمكن أن يأتي الناخب اللبنانيّ بجديد يمكنه أن يرجّح هذه الإستراتيجية أو تلك؟
أما السؤال الثاني فيتناول الطاولة نفسها، هل يمكن أن تكرّس هذه الطاولة جلسة بعد جلسة، الموقع التحكيميّ الأوّل لرئيس الجمهوريّة؟
ذلك أن أوّل التحكيم هو جمع النقاط المشتركة وتجسير الهوة بين المتنافرين وإنتقاء أفضل ما في جعبة كل طرف، وهو بالتمام الدور الذي يمثّله العماد ميشال سليمان اليوم. وهذا الدور لا يمكنه أن ينازعه عليه أحد، وهو ما يطرح سؤالاً ثالثاً: لماذا إذاً تنهض أصوات من هنا وهناك بقصد التشويش على هذا الدور؟
غاية القول إذاً أنّ طاولة الحوار كي تستمرّ في تفعيل نفسها كمؤسسة، فعليها أن تقرّر بحَكَمين: الحَكَم الأوّل يرعاها ويرسم خطّها البيانيّ، وهو رئيس الجمهوريّة، والحَكَم الثاني هو الشعب اللبناني، من خلال الإنتخابات المقبلة، لأنّ الشعب إن أتيح له التصويت، وسيتاح، سيصوّت مع هذه الإستراتيجية أو مع تلك، أو بالأحرى "مع هذه.. وضدّ تلك".
والإستراتيجية المهزومة وفقاً للإنتخابات لا يمكن أن تبقى الأمور محسومة لديها بشكل مطلق كما قبل الإنتخابات، أما الإستراتيجية التي ستعزّزها الإنتخابات فسيُقَرّ بجدارتها إن استطاعت الإبقاء على حياة ناخبيها بعد الإنتخابات، وأبعدتهم قدر الإمكان عن الدمار والتهلكة.




















