القاهرة ـ حمدي رزق
المستقبل
انزعج الماركسيون في مصر والعالم العربي من خبر تناثر رماده سريعا وزكم الانوف صبيحة رحيل شيخ الماركسيين المصريين الناقد والمثقف المصري الكبير محمود أمين العالم الأسبوع قبل الماضي.. الخبر الذي سرعان ما اتضح انه شائعة كان يقول ان الذي صلى صلاة الجنازة على العالم هو محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين، وهو خبر لو صح لاشتعلت النار في صفوف الماركسيين ولاسيما المصريين، الذين ترى أغلبيتهم أن التعاون مع الاخوان ـ ناهيك بصلاة مرشدهم على اموات الماركسيين ـ خطيئة لاتغتفر ابدا، لكن الخبر سرعان ما اتضح انه شائعة وكلّ ما في الامر ان عاكف حضر الصلاة ولم يؤم المصلين.
لكن الشائعة التي هزت وجدان الشيوعييين والاشتراكيين المصريين لساعتين او ثلاث ساعات ـ حتى تبينوا الخيط الابيض من الخيط الاسود في هذه القصة ـ تكشف تلك المكانة التي احتلها العالم في نفوس اليسار المصري، المكانة التي لا مبالغة في ان نصفها بانها مكانة الاب الروحي للتيارات اليسارية المصرية قاطبة على اختلاف تصنيفاتها!
ولم تمض ايام على رحيل العالم حتى رحل المفكر والسياسي وعالم الرياضيات المصري الكبير عبد العظيم أنيس، لتحدث المصادفة غير المتوقعة: رفيقا الدرب اللذان قضيا الحياة الحلوة والمرة معا يرحلان متتابعين لا يفصل أحدهما عن الآخر إلا اسبوع واحد.. ولولا انه ما في الموت من اتفاقات ووعود بين البشر لقال الناس ان العالم وانيس متفقان وان كليهما وفى باتفاقه مع الاخر.. ولو قيل للعالم قبل وفاته ان هذا سيقع لما صدق، ولو قالوا له انها ستكون مصادفة لسخر منهم، ألم يحصل العالم على الماجستير من جامعة القاهرة في فلسفة المصادفة؟ هذا الماجستير الذي جعله يقنن المصادفة ويضعها في مكانها ـ الذي اقتنع به ـ من قوانين "الديالكتيك" الماركسية المادي منها والتاريخي؟
وانيس والعالم شيء واحد.. فصلا معا، والفا كتاب"في الثقافة المصرية" معا، واعتقلا في الواحات خمس سنوات معا، وفي البداية منذ الميلاد ولدا معا بحي الأزهر وتعلما في مدرسة واحدة ثم فصلا من المدرسة، وعندما فتح باب المجانية عادا إلى المدرسة ثانية حتى التقيا عام 1935 في انتفاضة الطلبة.. وربطتهما صداقة وطيدة 60 عاما لا يفترقان، حتى وردا الى الخاتمة معا بفارق ايام.
رحيل العالم ـ أنيس ربما لايكون له تفسير سريع الا المصادفة، غير ان المتأمل لهذا الرحيل المزدوج ـ ان جاز التعبير ـ يراه مشهدا منطقيا من الناحية التاريخية، تنطق تفاصيله بوداع للجيل الاشتراكي على الطريقة السوفييتية. هذه هي اليات التاريخ و(حتمياته) التي تكلم عنها العالم وأنيس ذاتهما الاف المرات، وها هي تنطبق عليهما كما انطبقت على الاوائل وكما ستنطبق على الاواخر من الناس، وهكذا يرحل هذا الرعيل من الشيوعيين المصريين تاركا ملف الاشتراكيين واليسار المصري كله مفتوحا على أسئلة ضخمة وشائكة!
[ الفيلسوف ـ المتصوف
بين الفلسفة بكل مراحلها ومباحثها وأبوابها وبين التصوف الاسلامي بالهاماته واشراقاته وروحه الصبورة التي لا تيأس، تكونت تركيبة محمود أمين العالم العصية على التكرار!
فقبل 87 عاما ولد العالم في حي الدرب الاحمر التاريخي العتيق بقلب القاهرة ـ متاخماً لحي الحسين الشهير ـ ومن الميلاد الى الدنيا انطلق يطرق باب المعرفة من "كُتاب الشيخ السعدني" بهذا الحي .. وظل يتقلب بين المدارس الحكومية في هذا الحي حتى وجد نفسه على ابواب الجامعة، جامعة القاهرة التي كانت تسمى انذاك حين التحق بها بجامعة فؤاد الأول نسبة الى الملك فؤاد والد فاروق (حكم فؤاد من 1917 الى 1936 وفاروق تولى من بعده مباشرة ملك مصر الى ان اطاحته الثورة في العام 1952).
طرق العالم ابواب كلية الاداب ـ قسم الفلسفة تحديدا ـ في الاربعينيات، وتفوق بالفلسفة وذهبت به نفسه التواقة الى العدل والى الجدل نحو الفلسفة الماركسية التي انتشرت بين طبقة المثقفين المصريين كالنار في الهشيم خلال الاربعينيات بعد انتصار السوفييت على هتلر وتحولهم الى قوة عظمى، ونموذج يستلهمه الشيوعيون المصريون والعرب!
ومن هذا الاستلهام اندفع العالم الذي تفوق في دراسته الى الماجستير الذي حصل عليه عن ربطه بين الفلسفة والفيزياء مفندا قانون الصدفة وهو موضوع نال اعجاب الاكاديميين لطرافته وصعوبته وندرته في ذلك الوقت، ونال قلق الأمن الذي كان متربصا بالماركسيين والذي علم ان الرسالة مؤسسة في باطنها على منهج ماركسي.. وأخذ يرصد العالم منذ اواخر الاربعينيات بعد حصوله على الماجستير .
وبرغم سقوط الملك والملكية في العام 1952، الا ان الأمن ظل على قلقه من محمود العالم وعزله عن التدريس بالجامعة وفصله منها في العام 1954، مع عدد آخر من الاساتذة والمدرسين من مختلف كليات جامعة القاهرة لأسباب سياسية لم ترد في خطاب الفصل بالطبع !! بعد فصله عمل في إعطاء دروس خاصة في الفلسفة والمنطق واللغتين الانجليزية والفرنسية حتى التحق بمجلة " روز اليوسف " مسؤولاً عن افتتاحيتها السياسية التي كان يغلب عليها الطابع النقدي للاوضاع غير الديموقراطية، كما أخذ يكتب فيها مقالات في النقد الأدبي التي كان بدأها قبل فصله من الجامعة في صحيفة " الوفد المصري" بمقال مشترك مع صديقه عبد العظيم أنيس رداً على مقال الدكتور طه حسين في صحيفة " الجمهورية" حول مفهوم الأدب ومقالات للعقاد هاجم فيها الشعر الحر.
وبهذا المقال بدأت معركة نظرية في مجال الأدب كان لها تأثير على المستوى العربي عامة وفي تنمية الاتجاه الواقعي الجدلي في النقد الأدبي.. يكفي انها اثمرت في النهاية كتابهما المشترك "في الثقافة المصرية"، الذي اعتبره نقاد اليسار منذ الخمسينيات والى اواخر السبعينيات دستورا سريا للنقد بالمنهج الماركسي للادب. وقد رفض العقاد الرد على الكتاب قائلا انه يرفض مناقشة العالم وانيس كونهما(شيوعيين) على حد تعبيره، فيما ابدى طه حسين اندهاشه من اسلوب العالم في الكتابة وقال انه مثل اليونانية القديمة لاتقرأ. ويكفي ايضا ان هذا الكتاب هو الذي اسس وقام بالتنظير للشعر الحر ـ القائم على التفعيلة كشعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبورـ في مواجهة الشعر العمودي التقليدي في بنيته والذي عده العالم وأنيس تراثا رجعيا للشعر يجب التمرد عليه، وهي الاراء التي ثبت اندفاعها واعترف العالم نفسه فيما بعد ـ بكثير!!ـ بأنها قابلة للمراجعة والنقد والاخذ والرد!وكان هذا الكتاب الذي صدر في اواسط الخمسينيات ايذانا بصدام بينه وبين السلطة اذ بدا صوت العالم فيه ـ من بين السطور ـ صدامياً للغاية!
[ طريد السلطة
في أواخر 1958 دعا أنور السادات محمود العالم إلى اجتماع دام من العاشرة مساء حتى فجر اليوم التالي طالبه فيه بحل الحزب الشيوعي المصري وباندراج أفراد في التنظيم الرسمي للنظام، وصاحب هذا الطلب بتهديد ووعيد، ورفض الطلب مع تقديم البديل هو اقتراح بالتواجد داخل التنظيم الرسمي ولكن كتنظيم مستقل لا كأفراد، وبهذا يتحول التنظيم الرسمي إلى جبهة تضم مختلف التنظيمات الوطنية والديموقراطية وانتهى اللقاء إلى لا شيء.
بعد ذلك اللقاء بدأت حملة اعتقالات واسعة للشيوعيين المصريين وفي فجر يوم أول كانون الثاني ـ يناير 1959 تم اعتقال العالم في منزله في رحلة طويلة من سجن الواحات الخارجية (جنوبي الصحراء الغربية المصرية) إلى العودة إلى سجن " قرةميدان " بالقاهرة، حي القلعة شرق القاهرة، إلى سجن الحضرة بالاسكندرية، حيث انعقدت محاكمة عسكرية، قام فيها مع رفاقه بالدفاع عن الأهداف التقدمية والقومية لثورة 23 تموز ـ يوليه مع انتقاد اسلوبها غير الديموقراطي سواء داخلياً أو عربياً.
وظل العالم في المعتقل هو ومئات الشيوعيين المصريين ومنهم بالطبع صديقه د. عبد العظيم انيس، الى ان اضطر عبد الناصر الى اخراجهم ( في العام 1964) حفاظا على تحالفه مع السوفييت في مواجهة واشنطن، وكان اعتقالهم يغضب السوفييت كثيرا ويوتر العلاقات بينهم وبين ناصر، وكان من نصيبه عند الافراج عنه تعيينه محرراً في مجلة "المصور" واختياره عضواً في التنظيم الطليعي ثم عضواً بعد ذلك في أمانته المركزية.
وعمل العالم محرراً أدبياً في مجلة " المصور " الأسبوعية, ثم ما لبث أن عُيِّن بعد ذلك رئيساً لمجلس ادارة هيئة لكتاب، ثم شركة الكاتب العربي، ثم رئيساً لمجلس ادارة مؤسسة المسرح، ثم رئيساً لمجلس ادارة أخبار اليوم، ثم حدثت بعض الصراعات السياسية التي أفضت إلى فصله من أخبار اليوم ثم تعيينه بعد فترة مسؤولاً عن مؤسسة المسرح، بل إتاحة الفرصة له لحديث سياسي بعد نشرة أخبار الساعة التاسعة مساء في اليتلفزيون الرسمي كل يوم خميس. وطوال هذه الفترة كان يمارس مسؤوليته في أمانة التنظيم الطليعي مسؤولاً عن نشرتها الداخلية وعن خطتها التثقيفية.
ويموت عبدالناصر، ويتم اختيار السادات خلفاً له ويبدأ صدام جديد داخل السلطة الجديدة حول سياستها التي أخذت تتناقض شيئاً فشيئاً مع السياسة السابقة في عهد عبد الناصرحتى انقلبت عليها تماما، ويقف هو موقفاً معارضاً صريحاً في اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي الذي كان عضواً فيهابالانتخاب الشعبي إلى جانب عضويته في أمانة لتنظيم الطليعي.
ويتم اعتقاله مع من أسماهم السادات بمراكز القوى داخل النظام ويُقدم إلى التحقيق ويُتّهم بالخيانة العظمى مع بقية الزملاء الآخرين مثل علي صبري وشعراوي جمعة ومحمد فائق وغيرهم، ولكنه في التحقيق يَتَّهِم بدلاًمن أن يكون مُتَّهماً. ـ ولهذا فيما يبدوـ يجد نفسه ذات يوم وهو يعدّ في زنزانته كلمته الأخيرة قبل شنقه كما كان يتصوّر، وإذا بباب زنزانته يُفتح وتُعاد له ملابسه، ويجد نفسه خارج معتقل القلعة، ليركب التاكسي إلى منزله.
ثم اتصل به صديقه المفكر الفرنسي الشهير جاك بيرك لِيَقترح عليه المجيء إلى باريس، فيتجه إلى باريس ليُعيّن في جامعة باريس، مدرّساً للفكر العربي، ويظل بها منذ 1973 حتى عام 1984 يقوم بالتدريس فيها، وحضور والمشاركة في ندوات جاك بيرك، وإعطاء درس في النقد الأدبي التطبيقي.
وخلال هذه الفترة في باريس أنشأ مع بعض رفاقه المصريين مجلة شهرية هي " اليسار العربي". وشارك في الجبهة الوطنية المصرية المناهضة للسادات عندما بدأ مشروعه للصلح مع إسرائيل، مما أفضى إلى أن يُقدّم غيابياً لمحكمة "العيب" ويحكم عليه بحرمانه من حقوقه المدنية والسياسية ويتعرض للتقديم للمحاكمة في حالة عودته إلى مصر، ثم وضع تحت الحراسة هو وأسرته وتُصادر أملاكه ثم تُردّ لأسرته، فلم تكن أكثر من عربة قديمة ماركة "رمسيس" المتواضعة التي كانت المصانع المصرية تنتجها في الستينيات ثم توقف انتاجها.. وتُفك الحراسة عن أسرته.
ويموت السادات وتبدأ مرحلة جديدة، فيعود إلي مصر عام 1984، ويحصل العالم على حريته اخيرا، فهاهو يكتب ويتكلم وينشر كما يشاء، وهاهو رئيس للجنة الفلسفة بالمجلس الاعلى للثقافة في وزارة الثقافة، ولكن اين الحلم القديم؟ فسرعان ما انهار المعسكر الاشتراكي وزال الاتحاد السوفييتي ذاته من الوجود، وزالت كل اسباب الخصومة بين العالم والنظام، ولم يعد ثمة ما ينغص ولا يكدر.. ولكن اصعب ما قاسته نفسه في العقدين الاخيرين هو زوال القوة التي كانت تكسب التيار اليساري قوته في الشارع، ذلك الشارع الذي لم يعد فيه من افكار ولا قوى سوى القوى التي ظل يحاربها طوال حياته!
[ السياسي المحترف
اذا كان العالم دلف الى السياسة والمعتقلات من باب الفلسفة والدراسة الاكاديمية والتصوف ايضا، فان عبد العظيم انيس الذي عرف بنبوغه كاستاذ للرياضيات بكلية العلوم ـ جامعة القاهرة، دلف اليها منذ كان ابن 12 سنة فقط.. دلف اليها مباشرة وبقلب جسور وظل على شغبه الى اخر حياته التي امتدت 86 عاما!
كان أنيس عضوا فاعلا في الحركة الوطنية المصرية وشارك في انتفاضة 1935 ضد الاحتلال والملك فؤاد،وهي الانتفاضة التي قادها طلاب الجامعات والمدارس واعتقل بسبب ذلك وأصبح خلال دراسته في الجامعة من قادة "اللجنة الوطنية للطلبة والعمال" التي قادت النضال ضد الاحتلال والقصرفي الأربعينات.
وتم اعتقاله مجددا خلال مشاركته في الأحداث التي تبعت نكبة فلسطين عام 1948 وأمضى في السجن عامين ونصف العام وقام وزير الداخلية في آنذاك فؤاد سراج الدين باشا بتخييره "مع آخرين" بين البقاء في السجن أو الذهاب إلى أوروبا لإنهاء دراستهم العليا.. وهذا ما دفعه للدراسة في بريطانيا، والعودة منها بعد قيام الضباط الأحرار بالثورة عام 1952 حيث عمل أستاذا للرياضيات في جامعة القاهرة، لكنه سرعان ما تم طرده في حملة تطهير الجامعات من الأساتذة أصحاب الميول السياسية التي قررتها قيادات حركة الضباط الأحرار..ليفصل مع صديق عمره محمود امين العالم.
عاد أنيس إلى إنكلترا وعندما حدثت أزمة السويس1956 تفرغ للدفاع عن قرار التأميم أمام الرأي العام البريطاني، كما دافع عن مواقف عبد الناصر من مؤتمر باندونغ والجزائر وأمكن له العودة إلى مصر ليعمل في صحيفة "المساء" تحت رئاسة خالد محيي الدين، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي لكنه سرعان ما كسر الانضباط الحزبي ورشح نفسه في انتخابات مجلس الأمة ضد رغبة الحزب الذي كان يؤيد مرشحاً عمالياً وكانت معركة ضخمة.
وعرف عن انيس انه لا يهادن السلطة ابدا، من فؤاد الى فاروق ومن عبد الناصر الى اخر يوم في حياة انيس، استقل تماما عن النظام، ولم يبد اية مرونة ولا قبل اية مناصب وترهبن في ماركسيته وفي الرياضيات والاحصاء والنقد الادبي ..!
وكما كان رفيقه العالم طريد السلطة في الناصرية والساداتية، كان انيس طريدها.. فاعتقله الرئيس السادات بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل التي كان انيس يعارضها بشدة.
ألف عبد العظيم أنيس عددا من الكتب على رأسها (مقدمة فى علم الرياضيات) و(بنوك وباشوات) و(العلم والحضارة) و(التعليم في زمن الانفتاح)، كما ساهم في النقد الثقافي بقوة منذ فترة مبكرة مع رفيقه العالم!
[ الجيل السوفييتي
الناظر الى تاريخ الحركة الشيوعية المصرية ـ والعالم وانيس من اركانها وقادتها ـ يجد نفسه امام حركة امتد وجودها على الارض المصرية نحو 85 عاما، وتحورت في مسميات واشكال كثيرة، وظلت مطاردة من اجهزة الامن بشدة نحو 70 عاما، كما ظلت محل تشكك من بسطاء الناس الذين ربطوا بينها وبين الالحاد، تحت تأثيرات خصوم اليسار المصري وعلى راسهم القصر والانكليز، ثم الاميركيين الذين كانوا يريدون ازاحة التأثير السوفييتي عن مصر في الستينيات.
والرعيل الذي ينتمي اليه العالم وانيس هو الرعيل الرئيسي ان جاز التعبير من الحركة الشيوعية المصرية،هؤلاء الذين خرجوا الى عالم السياسة في زمن الحرب العظمى الثانية، في اوج مجد السوفييت.. واذا كان ثمة اكثر من تطبيق للماركسية، فان هذا الرعيل لم يكن امامه سوى اعتناق النموذج السوفييتي المنتصر.
واعتناقهم لهذا النموذج لم يكن انسلاخا عن المفهوم الوطني المصري، بل على العكس فان هذا الرعيل دافع عن كل القضايا الوطنية ربما اكثر من تيارات شعبية اخرى كالوفد او الاخوان..ودفع الثمن غاليا قبل الثورة وبعدها، وانما كان اعتناقهم للنموذج السوفييتي ظنا منهم انه طريق الخلاص للمصريين.. بل ان تقارب مصر مع السوفييت في الزمن الناصري دفعهم الى التحالف مع عبد الناصر والموافقة على حل كل التنظيمات العمالية والحزبية الماركسية والدخول افواجا في الاتحاد الاشتراكي تنظيم عبد الناصر السياسي الاوحد ـ ثقة منهم بان عبد الناصر حاكم تقدمي مادام حليفا للسوفييت..(ذكر العالم وانيس مرات كثيرة انهما لم يوافقا على قرار الحل، وهو قرار تنصل منه يساريون كثيرون كونه افضى الى القضاء عمليا على الحركة الشيويعة المصرية في اوج قوتها)!
لذا وقع هذا الرعيل الذي تربى على يدي" شهدي عطية الشافعي"ـ المنظر الاكبر للشيوعية المصرية وسكرتير حزبها في الخمسينيات والذي هلك من التعذيب في الواحات ـ في التباس تاريخي، بعد ان رأى "النموذج" يتهاوى ويندثر ويصبح اثرا بعد عين.. صحيح ان العالم وانيس وغيرهما من كبار(الجيل السوفييتي) من الشيوعيين المصريين، احتفظوا بمكانة رفيعة في الثقافة المصرية، بل ان الدولة في عصر مبارك عوضتهم عن معتقلات ناصر والسادات ـ والاخير حاربهم حربا لا هوادة فيها من خلال اطلاقه الاخوان والجماعات الدينية من عقالها في مطلع السبعينيات فضلا عن اعتقال اليساريين اكثر من مرة ـ فكرمتهم كمثقفين وتركت لهم حرية العمل والحركة على مصراعيها، بعد ان فطنت الى انهم لم يعودوا يشكلون خطرا على النظام بالطبع، كما انها كافاتهم على وقوفهم ـ وفي الصدارة ـ الى جوارها في حربها ضد الارهاب الديني في التسعينيات!
وبعد معركة الارهاب هذه لم يعد في يد هذا الجيل ان يوجد حلولا جديدة.. بل لم يعد يجد من يختلف معه. اختلفوا مع القصر وعادوا الانجليز ثم اختلفوا مع ناصر والثورة وحين تصالحوا معهما اختلفوا مع بعض مثقفي النظام ـ ربما من اهمهم الاستاذ هيكل الذي لم يكن هذا الجيل السوفييتي يؤمن به كثيرا وكانوا يعتبرونه منظر السلطة وهو امر ثابت في ادبياتهم بكثرة! ـ لكن اين الخصم الن واين الخصومة، وان كان من خصومة محتملة فاين القوة والصحة؟ والاهم اين النموذج وما الطرح الذي يملكونه؟ صحيح ان رجلا كالعالم او انيس امتلكا الى لحظة النهاية رؤى وطنية ثاقبة لكن هذه الرؤى التي يثمنها المثقفون المصريون غاليا، لم تنتج حلولا شعبية ولم تصل الى الشارع بعد ان قطعت السنون والظروف والانظمة المتعاقبة اواصر العلاقة بين الشيوعيين والشارع!
وبات على الاجيال التالية من اليساريين ـ ماركسيين كانوا ام اشتراكيين ديمقراطيين او ناصريين وقوميين ان يجدوا صيغة شعبية، صحيح ان لهم مصداقية عند الناس وتاريخا ليس لغيرهم من التيارات لكن المشروع غائب والنموذج الذي كان..، اختبار صعب للاشتراكيين المصريين على خلفية رحيل شيخي الماركسية وصديقي العمر..العالم وانيس!




















