النهار – لبنان
في عصر الحكم الأوبامي الذي يدشّن انطلاقه الديبلوماسي بإيفاد مبعوث الى الشرق الأوسط تستقبله المنطقة غداً الثلثاء، يجدر بالزعماء العرب أن يتوقفوا فوراً عن كل الديبلوماسيات وأشباه الديبلوماسيات التي تضع الدول العربية على طريق، بل طرق الانقسامات من جديد… كأن تكون سوريا مع حماس ومن وراءها، وكأن معركة غزة كانت معركة عربية فئوية بين اسرائيل "العدو الجامع" لكل العرب وبعض هذا العرب دون سواه!.
والواقع أن ذلك كان يمكن أن يكون الحال لو لم يختم الملك عبدالله بن عبد العزيز قمة الكويت بكلام وفاقي ملهم فاجأ به الجميع، وكانت سوريا بالذات أكثر المتفاجئين خصوصاً بتخصيص خادم الحرمين وضعها وحرصه غير المألوف على بعض مظاهر العناق والوفاق، في حين أن القضايا العالقة، بين "س. س" لم تكن قد لاقت معالجة ذات صدقية ولا حتى طرحت لمحاولة معالجة كان يمكن أن تتم أو أن تفشل، فاسقط الملك عبدالله بتصرفه المباشر الذي لم يترك باباً ولا نافذة لأي تحفظ إذ أعلن بصوت متهدج كأنه خارج من بطون أجيال ان الحكام العرب جميعاً "ولا أستثني أحدا"، يتحملون مسؤولية الوهن الذي أصاب وحدة موقفنا وعن الضعف الذي هدد تضامننا" الخ… وهي وقفة "نقد ذاتي" نادراً ما شهد مثلها لقاء عربي، وكان على الدوام مجرّد المطالبة بمثلها يعتبر موقفاً معارضا بل دعوة "تخريبية"…
• • •
والأهم من ذلك كله في خطبة الملك عبدالله هي أنه تجاوز "الكلام عن الكلام" والمواقف لينفذ الى الجوهر، فأكد أن مبادرة سلام العرب التي طرحت على قمة بيروت عام 2002 ووافقت عليها لا تزال "على الطاولة"، لكنها لا يمكن ان تبقى "على الطاولة الى الأبد"!..
من هنا دعوتنا اليوم الى ضرورة عقد قمة عربية توافقية جديدة قبل أن تهرول "عواصم القمم المستحدثة" من الدوحة وصولا الى ربما دمشق الشام…
وكلها ستكون بمثابة قمم متاريس، حتى ولو لم تلبّ الدعوة الى أي منها.
وبالعكس ستصبح الدعوات هي المتاريس التي تمزّق العرب قبل أن يتسنى لهم أن يهنأوا بالوفاق ولو "شهر عسل مختصراً!!!"(!)
فالحاجة في نظرنا إذاً ماسة لا الى مجرد الدعوة بل الى التأكد من عقد القمة الاستثنائية هذه، أياً يكن الداعي، والمشاورات التي تسبق القبول أو رفض الرافضين! وكسباً للوقت، نرى أن الفرصة سانحة أمام الامين العام لجامعة الدول العربية "لينقض" على الظرف السانح، بصلاحيات أو باستنساب صلاحيات استثنائية يستعيد بممارستها الحضور الذي فقدته الجامعة وأمانتها العامة بنوع أخص خلال الفترة الماضية، إذ تحولت مجرد "مستمع" في بعض الحوارات التي لا دور له فيها بحجم مسؤولياته، ولا مكسب له منها سوى الوقوف على بعض الآراء التي كان يمكن قراءتها في الصحف حتى قبل أن تعلن!!!
والسؤال: هل يرضى مجلس الجامعة بأن يتوسع الأمين العام في تفسير صلاحياته الى حد "أخذ" المبادرة ودعوة المجلس الى قمة؟
الجواب: فلنأخذ مثلا آخر: هل كان يعترض المجلس لو تعرضت مصر مثلا لعدوان فبادر الامين العام الى دعوة مجلس الجامعة؟
وأخيراً – كل هذا البحث محض جدلي – نظري لأن ليس في متناول الامين العام ان يفرض على الحكومات أو رؤسائها أو رؤساء دولها، الحضور… إذاً، هو لا يمارس صلاحية ممنوعة. هو، في أحسن الحالات، يوفر ظرفاً أو مناسبة لاجتماع سيعتبره المدعوون ضرورياً أو مناسباً او كانوا لا يحضرون. ولا خطر في الوقوع في مثل التسابق الى عقد قمة برئاسة امارة او جمهورية تنافس مملكة على شرف الاستضافة، وينقسم العرب مجدداً كأنهم لم يتفقوا على النقد الذاتي الذي دعاهم اليه الملك عبدالله أو كأنهم لم يستجيبوا نداء المصالحة الذي تهافتوا للتجاوب معه ولا نخالهم إلا ينتظرون دعوة قابلة للتطبيق من غير ان تشكل إحراجاً لأحد من أحد.
• • •
ويبقى الجوهر، أي لماذا القمة وماذا عنها.
الجواب ان القمة هذه يجب ان تكون تجاوبا سبّاقاً مع تحدي إيقاع الديبلوماسية المستعجلة التي يطلقها الرئيس الاميركي الجديد، محذرا من "تفاقم الوضع" اذا لم يحصل تجاوب من أهل البيت، أي من الدول العربية على نحو يلزم اسرائيل التحرك السريع (وهذا كلامه حرفياً). والرئيس الأميركي بالوضع والمخاطر أعلم، وما كان ليتحدث عن الحاجة الى "إجراءات غير مسبوقة لأزمة غير مسبوقة"!
وعندنا أنه يترتب على الدول العربية أن تثبت أنها قادرة على سلوك طريق "الاجراءات غير المسبوقة" وبسرعة لا سابق لها من غير الغرق في الشكليات وما كان يعرف بالجدل البيزنطي وصار أحرى أن يوصف بـ"الجدل العروبي"!
انطلاقاً من ذلك، نريد قمة لها جدول أعمال (لا جدول أقوال) واضحة ممكنة وتوحي الثقة بأنها قابلة للتنفيذ، آخذين في الاعتبار أن لا أسرار لأحد من أحد في الديبلوماسية المعاصرة!
فاذا لم تكن لدينا مشاريع "أعمال" نطرحها نحن على رسول واشنطن، فسنجد أنفسنا أسرى منطقه ونظرته بل تخطيطه. ولن يجدينا نفعا إذذاك ان نقول إن ثمة مشروعاً أميركياً بل "مؤامرة" يريدوننا أن نرضخ لها، بل ان نقع في شركها. لن يكون لقولنا هذا أية صدقية اذا لم تكن لدينا، على طاولة القمة، خطة مضادة… وكدنا نقول "مؤامرة مضادة" لنا في طلبها حلفاء يثقون بنا ويقفون الى جانبنا لا في مواجهة واشنطن بل في مفاوضتها.
وختاماً فان مبادرة السلام العربية لا تزال "على الطاولة" كما قال صاحبها الملك عبدالله… الذي قال كذلك ان المبادرة لن تبقى "على الطاولة الى الأبد"!
غسان تويني
ghs@annahar.com.lb




















