ارتفاع درجة حرارة الوضع الفلسطيني الداخلي، من جديد؛ يثير مخاوف حقيقية، التوقيت خطير، السخونة غير معهودة، والتراشق بمدفعية الاتهامات المتبادلة، جاء هذه المرة؛ بذخيرة شديدة الانفجار. وهي تبدو أنها مفتوحة على الأقسى. الخشية، أنها تشي بإمكانية انزلاق العلاقات، بين «فتح» و«حماس»، إلى المزيد من التدهور.
وربما، من الانسداد. وما يزيد من خطورة هذه الجولة من التأزم بينهما، أنها تأتي وغزة لا تزال تنهض من تحت أنقاض المذبحة. كما أنها تأتي، وهنا المفارقة، في نفس اللحظة التي يجري فيها البحث والتحرك لتثبيت التهدئة بين إسرائيل والقطاع. معادلة تجافي الحد الأدنى من المنطق والصواب. كان التصوّر أن جريمة إسرائيل في غزة، لا بدّ وأن تشكل فرصة لإعادة التصويب والتصحيح؛ في البيت الفلسطيني.
فالحرب استهدفت الشعب الفلسطيني وقضيته، من خلال ضرب غزة، بهذه القسوة والوحشية. أرادت تعميق الشرخ الأهلي وزيادة العزل والتباعد بين الضفة والقطاع. قناعة تقاطعت عندها كل القوى الفلسطينية. الترجمة المتوقعة، كانت تقضي؛ تأسيساً على ذلك، أن يأتي الرد الفلسطيني بتعزيز وتسريع الحوار والتقارب بين الفصيلين. لكن ما حدث كان العكس.
منسوب التوتر والاحتقان، ضرب الرقم القياسي، بينهما. قذائف العمالة والتخوين، تطايرت من كل صوب. ووصل الأمر إلى حدّ حصول تصفيات جسدية، زعم فريق أنها كانت عمليات «قتل» لعناصره أثناء العدوان؛ فيما ردّ الآخر بأنها كانت عمليات إعدام ل«عملاء». كل طرف فتح على الآخر كل ما في ترسانته من صواريخ وأسلحة تدمير سياسي، ضد الآخر.
وكأن القطيعة باتت مسألة تحصيل حاصل. أو كأن فيها ما يوفر ويزيد من عوامل الحصانة الذاتية. والأنكى من ذلك، أن المعروف سلفاً بأن مفاقمة الانقسام بهذه الصورة الخطيرة؛ يعزز ويخدم سياسة الاستفراد التي تعتمدها إسرائيل، بارتياح كبير. فما من وضع يريحها ويخدمها، أكثر من الانشقاق الفلسطيني.
التجربة، منذ وقوع الانقسام، تقدّم شهادة دامغة؛ على ذلك. وسّعت استيطانها، تمادت في تهويد القدس، رفعت من وتيرة تعدياتها؛ وأخيراً شنّت حرب الإبادة على غزة. والآن تعطى الفرصة، مرة أخرى، لتزيد من لعبها وتلاعبها على الخلافات الفلسطينية؛ التي يبدو، للأسف، وكأنها تحولت إلى تناقضات جوهرية.
التهدئة بين القطاع وإسرائيل، مطلوبة؛ لتسهيل عودة الأول إلى الحياة الطبيعية، متحرراً من الحصار وإقفال المعابر. ما لا تقل أهمية، هي التهدئة العاجلة بين «فتح» و«حماس». الأولى لا تستقيم بدون الثانية. غياب هذه الأخيرة ، مع الإمعان في التنافر، محكوم بدفع العلاقة إلى دائرة مواجهة أهلية، تنتظرها وتراهن عليها، إسرائيل؛ وفق ما أشارت إليه وثيقة لوزارة خارجيتها.




















