حازم صاغيّة
تقول الحجّة الأولى لدعاة النصر في غزّة، وهي نفسها الحجّة الأولى لدعاته في لبنان صيف 2006، إن إسرائيل «لم تحقّق، للمرّة الأولى في حروبها مع العرب، هدفها من الحرب».
لكنْ في حرب 1967، وهي تُعدّ الهزيمة الأكبر في تاريخ الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، لم تحقّق إسرائيل هدفها من الحرب. يومذاك لم يمسك عبدالناصر سمّاعة الهاتف ليكلّم موشي دايان، على ما انتظر الأخير، كما أن قمّة الخرطوم الشهيرة جاءت لتحسم سلباً في لاءاتها الشهيرة الثلاث. وفي مناخ كهذا نشأت نظريّة الانتصار العربيّ لأن العدوّ و «إن نجح في احتلال الأرض، لم ينجح في إسقاط الأنظمة». كذلك ازدهرت في المناخ إيّاه المقاومة الفلسطينيّة حتّى باتت سلطة موازية للسلطة في الأردن، وصارت عمّان «هانوي العرب». وقد اندلعت «حرب الاستنزاف» على الجبهة المصريّة – الإسرائيليّة، وجيء بالخبراء السوفيات إلى القاهرة، فيما أسّس النظام السوريّ، المتزايد راديكاليّة، منظّمة «الصاعقة» بوصفها إسهامه المباشر في مقاومة إسرائيل، فضلاً عن ممارسة الرقابة على القرار الفلسطينيّ.
والمقارنة هذه تشي بخفّة الحجّة المذكورة لبنانيّاً («حزب الله») ثمّ فلسطينيّاً (حركة «حماس»). فالجديد في هذا الكلام ليس صحيحاً إذاً، كما أن الصحيح فيه ليس جديداً بدوره. ذاك أن العرب، من خلال أنظمتهم ومنظّماتهم يومذاك، كمثل العرب، من خلال «حزب الله» و «حماس» اليوم، متّفقون على رفض الإقرار بالهزائم العسكريّة ورفض ترجمتها السياسيّة. وهو ما يرقى إلى موقف ثقافيّ جامع عابر للفئات والجماعات والايديولوجيّات، نرفض الإقرار به كما نرفض أن يبحثه عنّا المستشرقون.
مع ذلك، فالخلاف بين الفئتين ناجم عن أن القوى المهزومة في 1967 أنظمةٌ، أي أنّها معنيّة، كائناً ما كان سوؤها أو قمعها أو تخلّفها، باستجابة، ولو جزئيّة أو قاصرة، لحاجات شعوبها ومجتمعاتها.
هكذا لم يستطع عبدالناصر، تحت وطأة إغلاق قناة السويس ودمار منطقة المجابهة في «حرب الاستنزاف»، المضيّ في سياسة «اللاءات»، فوافق على القرار 242. ولم تتحمّل السلطة الأردنيّة قيام جيش آخر ودولة ظلّ موازية وآثار ذلك على اجتماع البلد واقتصاده، فضربت ضربتها في أيلول (سبتمبر) 1970. حتّى وزير الدفاع السوريّ يومها، حافظ الأسد، لم يطق الاستمرار في سياسة العزلة والتطرّف فانقضّ على رفاقه «اليساريّين» بعد شهرين على اندلاع معارك الأردن.
والخطى هذه ربّما كانت إقرارات متأخّرة بالهزيمة دفع إليها ضغط تسيير المجتمعات وسوسها. بيد أن «حزب الله» و «حماس» لا يصحّ فيهما ذلك لأنّهما، بالضبط، يضعان المجتمعات، حياةً وموتاً واقتصاداً وتعليماً، بين مزدوجين. فهما، بالتالي، يستطيعان أن «ينتصرا» على مقربة من جثث تتراكم ومبانٍ تنهار وجوع وتسوّل ينتشران. فهذا شيء وذاك شيء آخر. وعلّة ذلك مزدوجة: فهذه ليست حركات قادرة على التفكير بالمجتمع كوحدة، ولا بإدارة حاجاته وتلبيتها، أو تطوير برامج لسَوْسه. غير أنّها، من جهة أخرى، خارجيّة حيال دورات الحياة القائمة، باقتصادها واجتماعها وسياستها وتعليمها، تواجهها بالرفض أو تستعيض عن نقص تقديماتها بالمعونات الخارجيّة. وهي، في هذا، حركات مضادّة وضدّيّة تنجح، تعريفاً، في هدم القائم لكنّها لا تنجح في بناء ما يليه. والسمة هذه لئن اتّصلت على نحو وثيق بحركات الإسلام السياسيّ النضاليّة، فبعض ما تسفر عنه اختلاط بعيد بين الهدم والبناء، وتالياً بين «منع العدوّ من تحقيق هدفه» وبين إحراز النصر المسبوق بنعوت منتفخـة، نعوتٍ يُراد لانتفاخها أن يحجب الواقع الضامر والذاوي.




















