يخطيء من يتصور أن حرب الإبادة الوحشية التي شنتها إسرائيل بكل ما في ترسانتها العسكرية من أسلحة،كانت تستهدف فحسب تدمير قطاع غزة وقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين, وصولا إلى إسكات صواريخ حماس التي تعكر صفو الهدوء والسكينة في بلدات جنوب إسرائيل.
ذلك كان الهدف الإسرائيلي المعلن،لكن وقائع العدوان وشراسته،والملابسات السياسية التي اقترنت به تشير بوضوح لا لبس فيه إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية التي دمرت غزة،وقتلت سكانها،كانت تستهدف في المقام الأول توجيه ضربة ساحقة للقضية الفلسطينية،ودفنها إن أمكن تحت ركام أطلال غزة وخرائبها الناجمة عن العدوان الإسرائيلي.
والمنطلق الاستراتيجي الإسرائيلي للإجهاز علي القضية الفلسطينية تمثل في الرهان علي أن الحرب علي غزة ستزيد من وتيرة الجدل الصاخب للخلافات الفلسطينية،وتكريس الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني.
ومن المؤسف حقا أن هذا المشهد الفلسطيني المخالف لكل منطق هو ما كان يبدو أمام أي مراقب ومتابع لمأساة العدوان الإسرائيلي.. فبينما كانت تدوي قنابل إسرائيل وصواريخها كانت تدوي في الوقت نفسه شظايا الخلافات الفلسطينية، دونما إدراك موضوعي أن الحرب تستهدف أولا وأخيرا،القضية الفلسطينية.
ولم تكن ثمة وسيلة ناجمة لإبطال مفعول اللغم السياسي الإسرائيلي من الحرب علي غزة، سوي بتوحيد الصف الفلسطيني، ونبذ الخلافات بين القوي الفلسطينية، وهذا أمر بدهي تتحصن به أي حركة تحرر وطني تضع المصالح العليا لتحرر الوطن من الاحتلال فوق أي اعتبارات حزبية.
لكن الملاحظ أن القوي الفلسطينية قد استحكمت الخلافات فيما بينها, وهو ما يثير بالطبع غبطة إسرائيل التي ترمي إلي تحقيق مخطط فصل غزة عن الضفة الغربية, ومن ثم تمزيق القضية الفلسطينية،وشرذمة القوي الفلسطينية، وحشرها في النفق المظلم للتناحر السياسي, وللاقتتال العسكري, واللافت للانتباه أن جدل الخلافات الفلسطيني احتدم وتفاقم عقب وقف إطلاق النار، وبدا الاشتباك السياسي الفلسطيني ـ الفلسطيني أشد صخبا في تناوله لمسألة إعادة إعمار غزة، وهو ما جعل دوائر دولية معنية بالمسألة تشير إلى أنه يتعين تشكيل حكومة وفاق فلسطيني كشرط أولي لإمكان تنفيذ برامج إعادة تعمير غزة.
وأنه في حالة استمرار الخلافات الفلسطينية بين غزة ورام الله فإنه لا مفر من أن تتولي جهات ومؤسسات دولية عملية إعادة إعمار غزة, مع ما ينطوي عليه هذا من إمكان فصل غزة عن الضفة الغربية علي نحو ما تريد إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، فإن الخلافات الفلسطينية التي قد تعرقل إعادة إعمار غزة، وإنقاذ أهلها قد تسهم في التحليل الأخير من احتمالات إشاعة عدم الاستقرار في المنطقة، وذلك في حالة إذا ما اندفع أهالي غزة بسبب الضغوط الحياتية الهائلة التي يتعرضون لها ويعانونها إلى تكرار محاولة الفرار الجماعي من رفح الفلسطينية إلى رفح المصرية، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بمعادلة الأمن القومي المصري، وهو أمر تدرك مصر أبعاده الخطيرة، وتؤكد أنه خط أحمر لا ينبغي لأي أحد تجاوزه.
ومن وقائع ما سلف, يبدو واضحا أن القوي الفلسطينية مطالبة علي نحو عاجل وملح للتوصل إلي صيغة حكومة الوحدة الوطنية, حتي تنقذ القضية الفلسطينية، وتبدأ برامج إعمار غزة، والحيلولة دون إشاعة عدم الاستقرار في المنطقة.




















