ليست العلاقة الغرامية بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وحركة "حماس" المنتخبة ديموقراطياً والإرهابية والمتمسّكة بالشريعة، بالأمر الجديد. غير أن الهجوم الإسرائيلي على غزة كشف عمق هذه العلاقة. يستحق خطاب أردوغان حول ما يجري في غزة وطريقة تعاطيه معه، التمعّن فيه وربما طرح بعض الأسئلة.
في كلمة تحدث فيها أردوغان عن طموحات إيران النووية قبل بضعة أشهر، أعرب عن عدم رغبة حكومته في السير على خطى الولايات المتحدة قائلاً "ينبغي على البلدان التي تعارض حيازة إيران أسلحة نووية، ألا تمتلك أسلحة نووية بنفسها". وعلى الرغم من استخدامه صيغة الجمع (البلدان)، إلا أنه قصد في كلامه على ما يبدو إسرائيل، وليس الولايات المتحدة كما تكهن كثر. والآن لنستخدم الأسلوب نفسه الذي استعمله أردوغان.
إيران هي جارة تركيا. ومزاعم طهران بأنها لا تطمح إلى امتلاك أسلحة نووية توازي مزاعم أردوغان بأنه ليس إسلامياً. ترى تركيا في إيران تهديداً أمنياً، بحسب وثيقة رسمية عن تهديدات الأمن القومي تحمل توقيع أردوغان. وتعتبر الورقة نفسها أن اليونان، وهي جارة أخرى لتركيا إنما في جهة الغرب وليس الشرق، هي تهديد أمني أيضاً، لكنه لا يحتل "أولوية قصوى" مثل إيران. لنفترض أن اليونان التي تعتبر تركيا أنها تشكّل تهديداً أمنياً أقل من ذاك الذي تشكّله إيران، قررت علناً أو بصورة سرية، أن تطوّر أسلحة نووية. هل سيدافع أردوغان عن امتلاك اليونان السلاح النووي ويقول إنه "ينبغي على البلدان التي تعارض حيازة اليونان أسلحة نووية، ألا تمتلك أسلحة نووية بنفسها"؟ يمكننا أن نحزر الجواب.
والسؤال المطروح الآخر: لماذا يدعم أردوغان طموحات إيران المسلمة بحيازة أسلحة نووية إنما يعارض طموحات اليونان الأرثوذكسية لامتلاك السلاح النووي مع العلم بأن الوثيقة التي وقعها تذكر أن إيران تشكل تهديداً أمنياً أكبر بالنسبة إلى تركيا؟
بروكسيل: لقد توجه أردوغان إليها ليحاضر أمام قادة الاتحاد الأوروبي عن فضائل الديموقراطية و"حماس". وحمّل مسؤولية القتلى الذين يسقطون في غزة "للغرب الذي لا يحترم حماس". لنعد صوغ العبارة: لو كان الغرب يحترم "حماس"، لما لقي مدنيون أبرياء حتفهم في غزة. هل هذا مقنع؟
الصواريخ: سأل أردوغان، ما أدرانا أن "حماس" هي التي تطلقها؟ هناك مجموعات أخرى كثيرة في غزة ربما كانت تطلق الصواريخ. لا، لم يكن يمزح!
العبوات البدائية والمتفجرات والهجمات التي يشنها "حزب العمال الكردستاني" على الجنود الأتراك: حسناً، ما أدرانا أن "حزب العمال الكردستاني" هو من يقوم بها؟ هناك الكثير من المجموعات الكردية في جنوب شرق العراق وشماله.
الديموقراطية؟ الأرقام؟ هل يهتم أردوغان بأن يسأل سكان الجنوب الشرقي إذا كانوا يرغبون في منطقة كردية ذات استقلال ذاتي؟ هل يفكر في إجراء استفتاء؟ ألن يكون ذلك ديموقراطياً على الأقل بقدر الانتخابات الفلسطينية؟
أثناء الهجوم الإسرائيلي، قال أردوغان بتركية غير سليمة إنه "يتعاطى مع مسألة غزة من خلال مقاربة مسلمة". جيد. يمكنه أن يتعاطى مع أي مسألة من خلال مقاربة أي شخص وأي دين كان. لكن لماذا يقول علناً إنه يعتقد أن "الاتحاد الأوروبي يتعاطى مع العضوية التركية من خلال مقاربة مسيحية"؟ أين الخطب في ذلك؟ لا مشكلة على الإطلاق في أن يتعاطى هو مع السياسة انطلاقاً من مقاربة مسلمة في حين أن ثمة مشكلة عندما يتعاطى المسيحيون مع السياسة انطلاقاً من مقاربة مسيحية؟ وهناك أكثر من ذلك. خلال الهجوم الإسرائيلي، أصدرت حكومة أردوغان تعميماً للمدارس دعت فيه إلى الوقوف دقيقة صمت حداداً على الفلسطينيين الذين قُتِلوا في غزة. وهكذا وقف تلاميذ تراوح أعمارهم من ست سنوات إلى 18 سنة في أكثر من 45 ألف مدرسة تركية، دقيقة صمت تضامناً مع الضحايا الفلسطينيين. هذا جيد. لكننا نتساءل لماذا لم تصدر وزارة التربية المتعاطفة مع البشرية تعميماً يدعو للوقوف دقيقة صمت عندما قتل الإرهابيون الشيشان المسلمون عام 2004 مئات التلاميذ الروس في بيسلان. هل السبب هو أن الضحايا في بيسلان لم يكونوا مسلمين أما القتلة فكانوا كذلك؟
فلنكمل في النسق عينه. نعرف أن أردوغان يتعاطى مع غزة انطلاقاً من مقاربة مسلمة. فهل يجدر إذاً بالمسيحيين الأرثوذكس أو كل المسيحيين التعاطي مع الخلاف حول الإبادة الأرمنية انطلاقاً من "مقاربة أرثوذكسية أو مسيحية"؟ هل ينبغي على الحكومات المسيحية أن تصدر تعميماً للمدارس المسيحية تدعوها فيه إلى الوقوف دقيقة صمت في 24 نيسان من كل عام، مع ذكر كلمة "إبادة" أو من دون ذكرها؟
إذا فعلت ذلك يوماً ما، فهل سيتعاطف أردوغان معها؟ هل "سيتفهّم" إذا وقف التلاميذ الروس دقيقة صمت "إحياء لذكرى الأحداث المأسوية التي حصلت بين 1915 و1919"؟ لا شك في أن عدد الأولاد الأرمن الذي لقوا مصرعهم في تلك الحقبة أكبر بكثير من عدد الأولاد الذين يُقتَلون في غزة في أي مرحلة كانت. لن تنتهي تناقضات أردوغان أبداً. إنه "الإسلامي" الذي يتظاهر بأنه ليس كذلك.
(جريدة "حرييت" التركيةترجمة نسرين ناضر)
"النهار"




















