الحياة – 29/01/09//
ربما لم يشهد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، او (قمة الرأسمالية العالمية)، هذا الإقبال على فعالياته مثلما يحدث هذه السنة، فالسؤال الملح الذي يبحث الجميع عن إجابة له هو: «كيف نخرج من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية بأقل الخسائر»، ويضيف آخرون: «مع ضمان استمرار الرأسمالية الليبرالية كما هي».
لكن في المقابل يطرح سؤال حول إمكان استمرار الرأسمالية الليبرالية كما هي من دون تعديل، وهو أمر بات صعباً في حكم نتائج الأزمة العالمية.
وتوحي الجلسات الأولى التي سبقت كلمات رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الصيني، بأن التغيرات المطلوبة أكثر مما يتوقع البعض، وأن ساحة النقاش لا تخلو من دفاع عن المصالح قبل الانتصار للمبادئ أو الرغبة الحقيقية في التحول نحو نظام اقتصادي يعالج أخطاء الماضي ويصحح مسار الأهداف الاقتصادية وينظر إلى المستقبل من منظور جماعي.
الأصوات التي طالبت في الماضي بكسر القيود والحواجز التجارية جميعها في العالم، وبحرية تنقل رأس المال، تطالب ذاتها الآن بحماية الرأسمالية. ففي جلسة بعنوان «نحو مرحلة اقتصادية جديدة» طالب أحد المحاورين بضرورة أن يضخ المستثمرون «أموالهم في المصارف لتمارس دورها في الإقراض والتمويل، وأن يقبلوا على شراء الأسهم والسندات ليدعموا الشركات ويبقوا على عجلة الإنتاج دائرة».
وواضح أن مؤيدي هذا التوجه ينسون أو يتناسون خسائر «ليمان براذرز» و «مورغان ستانلي» وانهيار صناعة السيارات وتراجع معدلات الاستثمارات المباشرة وطوابير البطالة التي تنتشر ساعة بعد أخرى في الدول الصناعية الكبرى.
التنسيق مع المؤسسات
لكن أستاذ الاقتصاد الياباني هايزو تاكيناكا، يرى أن هناك دوراً للدولة في دعم المؤسسات المصرفية الكبرى، لا يقتصر فقط على ضخ المال للخروج من الأزمة، بل يقتضي التنسيق مع المؤسسات في ما يتعلق بالاقتصاد المحلي على وجه الخصوص، «لأن ضخ رأس المال وحده غير كاف من دون خطة عمل واضحة الأهداف»، واستدل على رأيه بما حدث في اليابان عام 1990، عندما ضخت الحكومة اليابانية مبالغ طائلة في المصارف الكبرى لمساعدتها، لكنها لم تخرج من أزمتها إلا بعد أربع سنوات، لعدم وجود تنسيق بين الجانبين حول الأهداف والرؤى.
ويقول أحد رجال «مورغان ستانلي» استيفان روش، إن «رجال المال والأعمال لا يمكنهم تجاهل التحديات التي تواجهنا في 2009، لأنها السنة الأولى، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التي ينكمش فيها الاقتصاد العالمي بهذا المستوى المتدني، وتتراجع فيه مؤشرات النمو في كبريات الدول الصناعية إلى هذا الحد كما تبدد حلم الترابط المتكامل بين الاقتصادات الأوروبية والأميركية لينقذ أحدهما الآخر وقت الأزمات».
وكان روش حذر في منتدى العام الماضي، من انطلاق مؤشرات الركود الاقتصادي استناداً إلى تراجع القوى الشرائية في الولايات المتحدة، ولم يأخذ أحد توقعاته في الاعتبار بل واصلوا وضع مساحيق التجميل على وجه اقتصادي بدأ يعاني من التشققات والرضوض، لا يراد لها أن يراها أحد وتعاملوا مع الأمر كأن الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي فولاذ لا يلين، بينما الصدأ ينخر جوانبه.
ويتفق الخبراء، في أولى ندوات منتدى دافوس، على أن النمو الاقتصادي العالمي سيبقى محصوراً لسنوات طويلة في متوسط 2.5 في المئة، ويؤكد كبير الاقتصاديين في البنك الدولي جوستين يوفو لين، حصول مزيد من الركود الاقتصادي إذا لم يبلغ العالم بعد ما يمكن أن يوصف بأنه نهاية تداعيات الأزمة، بل ينتظر مزيداً من المفاجآت. وطالب الحكومات بضرورة اتخاذ إجراءات، وصفها بالعملية، في ما يتعلق بملف الضرائب. وتحدث عن ضرورة المشاركة بين أطراف متعددة لمواجهة الأزمة، سواء داخل البلد الواحد أو بين مجموعة إقليمية أو دولية.
ومن الأخطار التي حذر منها خبراء الاقتصاد، احتمالات لجوء دول إلى حماية وقائية أو إبقاء رأس المال في الداخل، ما ينعكس سلباً على مؤشرات الاستثمارات الخارجية، بينما يرى مؤيدو الحماية أن رعاية الاقتصاد المحلي أساس للتغلب على سلبيات الأزمة، فمن غير المنطقي، في رأيهم، أن تضخ دولة أموالها في مشروعات خارجية بينما يعاني عمالها من البطالة.
وكان واضحاً من المناقشات أن البنك الدولي يسعى إلى كسب تأييد ممارسة دور شرطي يراقب أسواق المال العالمية، ربما ليحافظ على دوره المثير دائماً للجدل في الحضور المتواصل على الساحة سياسياً ومالياً.
وكانت أولى جلســات دافوس حامية، في ما يوصف بالمخاض الضروري لولادة نظام اقتصادي يحاول كثيرون أن يولد مــكتمل الــنمو.




















