الحياة – 29/01/09//
بدأت المصارف الخليجية والعربية إعلان نتائجها المالية لعام 2008، وجاءت غالبيتها جيدة من حيث النمو والعوائد. والمثير للارتياح أن هذه المصارف حرصت على إظهار أوضاعها المالية في صورة أكثر شفافية وفي أوقات قياسية، بحيث يتوقع استكمال إعلان هذه النتائج خلال شباط (فبراير)، وعندها تتضح الأوضاع المالية للمصارف الخليجية والعربية. وما يُريح أيضاً أن مصارف كثيرة حرصت على توزيعات نقدية جيدة إلى المساهمين ما حمل رسالة جليّة إلى الأسواق حول أوضاعها المالية.
وعلى رغم أن مستثمرين ومساهمين كثراً يفضلون أن ينتظروا شهوراً ليطمئنوا أكثر على أوضاع المصارف ومؤسسات المال، متوقعين أن تكون تأثيرات الأزمة المالية والركود الاقتصادي العالميين أكبر خلال العام الحالي، يجب ألا ننسى في المقابل، الجهود الإيجابية التي اتخذتها الحكومات في الدول الصناعية والمتقدمة والمؤسسات العالمية وغيرها لإنعاش الأوضاع الاقتصادية.
ويمكن التوقف ملياً، وفي شكل خاص، أمام جهود الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت الأسبوع الماضي، وتؤكد انخراط فريق الرئيس باراك أوباما في العمل فوراً، لإنفاق النصف الثاني من المبالغ المرصودة في خطة الإنقاذ المالي البالغة 700 بليون دولار، إلى وضع برنامج لحفز الاقتصاد بإنفاق 550 بليوناً، وخفوض ضريبية قيمتها 275 بليوناً، فضلاً عن جهود الحكومة البريطانية التي خصصت أكثر من 400 بليون دولار لإنعاش الاقتصاد البريطاني، ورزم حفز الاقتصاد الألماني والياباني وغيرها.
ونظراً إلى تأثيرات الركود الاقتصادي العالمي وانعكاساتها على إيرادات النفط، وتراجع نشاط القطاعات والمشاريع المنفذة، وتقلص حجم السيولة، سواء بسبب تلك العوامل أو بسبب سياسات الحذر، يحتمل أن تتأثر أرباح المصارف العربية بهذه التطورات، وربما تتقلص بنسب متفاوتة.
ونتوقع تباطؤ الائتمان المصرفي خلال السنة الحالية – خصوصاً بالمقارنة مع المستويات العالية التي بلغها خلال الأعوام الماضية، بحيث تجاوز نموه 60 في المئة – نتيجة تراجع الطلب على تمويل المشاريع. وبطبيعة الحال، نفترض أن خفض سعر الفائدة لدى المصارف يجب أن يساهم في حفز الائتمان في الجانب الآخر، إلا أن المشكلة لا تكمن فقط في توافر السيولة، وإنما في سياسات الحيطة والحذر التي تتبعها المصارف، على الأقل خلال الربع الأول من السنة، وإلى حين اتضاح واقع الأوضاع المالية والاقتصادية بصورة أفضل. كما أن تقلص حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية يؤثر في السيولة.
وينتظر في المقابل، أن تمارس المصارف المركزية، سياسات فعالة لتشجيع تدفق السيولة إلى أوردة الاقتصاد، فتخفض نسبة الاحتياط القانوني وتوفر حوافز لتوجيه الأموال نحو القطاعات المنتجة وغيرها، وأن تواصل المصارف المركزية دورها في دعم الأسواق وإضفاء الاستقرار على الودائع البين- مصرفية والتخلص من الديون المتعثرة.
ويفترض أن تبادر المصارف العربية، إلى وضع خطط ترمي إلى تعزيز قواعدها الرأسمالية والممارسات المهنية، لتسهم في استعادة الثقة بها. ومهم أن تسعى المؤسسات، في هذا الصدد، إلى البحث عن مساهمين طويلي الأجل مثل صناديق التقاعد والصناديق السيادية، كون هؤلاء المستثمرين لديهم قدرة على الاستثمار الطويل الأجل والقبول بعائد معقول.
ويتوقع من مؤسسات المال، أن لا تنتظر قيام الهيئات الرقابية والمصارف المركزية بوضع خطط للإصلاح الرقابي والتشريعي في أسواق المنتجات التي تتعامل فيها، مثل أسواق الرهن العقاري والمنتجات المشتقة منه، وأسواق المشتقات المالية، بل أن تبادر إلى تنفيذ هذه الإصلاحات. وثبت أن نقاط الضعف الموجودة والممارسات الخاطئة والاستغلالية، أضرت بالجميع، ما يثير مخاوف كبيرة لدى المصارف ومؤسسات المال وبخاصة في العالم النامي، ويدفعها إلى النكوص مرة أخرى بالتزاماتها تجاه أسواقها المحلية، رافضة الانفتاح على الأسواق العالمية والتحرير المالي.
ويفترض أن تحسّن المصارف قواعد ممارساتها، بخاصة في مجال إدارة الأخطار وإدارة السيولة والمكافآت الممنوحة إلى مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية، والقواعد المحاسبية المتبعة في آليات تقويم الاستثمارات والموجودات، لتأخذ في الاعتبار الأخطار المفاجئة وغير المحسوبة، وتسهم في استعادة الثقة بها.
يوجد إجماع على أن عام 2009 عام صعب، لكن ندعو إلى التحرك الجاد والعمل الدؤوب وتكاتف الجهود بين الحكومات وجهات الرقابة العربية والمصارف العربية والقطاع الخاص، للتعاون والعمل المشترك معاً، بهدف تجاوز تداعيات الأزمة المالية بأدنى خسائر.
* رئيس اتحاد المصارف العربية




















