ديموقراطية تخلق فاعليتها، وسياسيون يلحقون بركب الديموقراطية، هذا ما يمكن استخلاصه من المشهد السياسي العراقي، فما الذي يعنيه ذلك على وجه التحديد ؟
مشروعان يتقابلان بتضاد مباشر في العراق الجديد، مشروع "الحكومة المركزية" بما هي مفهوم سياسي بملامح ومرتكزات مختلفة في مفاصل اساسية عن المشروع الآخر "الفيديراليات المركزية". والبحث هنا لايجري عن مشاكل التاريخ او اشكالية الجغرافيا العراقيين، بل في الكيفية التي سيتشكل بها التاريخ والجغرافيا العراقيين وفقا لكل من المشروعين اعلاه.
من المعروف بداهة في تاريخ الديموقراطيات، ان القوى السياسية – رموزا او احزابا – غالبا ماتكون المحركة للآليات الديموقراطية ومن ثم المحددة لمساراتها أو الضابطة لايقاعاتها بشكل ادق.
المفارقة الابرز التي ولدت في العراق، كانت انقلاب الامور على بداياتها، حيث تمظهرت في حصيلة ان العملية الديموقراطية هي التي بدأت بصقل وصنع القوى السياسية وليس العكس، وبزمن قياسي قد يعتبر فجائيا منه الى تشكل تراكمي.
هل من مصداق لقول كهذا ؟
مازالت الشواهد ماثلة دون جهد في الاستحضار، فالقوى السياسية التي "اشتركت" في العملية الديموقراطية ووصلت بمقتضاها الى السلطة، لم تساهم واقعا في بناء المفاهيم الديموقراطية وتأصيلها، اذ انها في الجوهر، دفعت الى المشاركة وفق محددات املتها التوجهات الطائفية والاثنية التي عبّر عنها في الخطاب والممارسة على حد سواء، لتنتج ما سمي المحاصصة أو الديموقراطية التوافقية، التي من نافل القول، إنها ليست الديموقراطية التي تقرها صناديق الاقتراع وفق برامج سياسية.
لكن – وهذه الـ"لكن" برزت كاستثناء ايجابي – تمردت قواعد اللعبة على اصحابها وافلتت من بين ايديهم، لتحتمي في المجتمع العراقي، الذي تبين انه حيوي اكثر مما كان يتصور حتى ساسته.
لقد نجحت السلطة في محاصرة الارهاب، لا بفعل قواتها الامنية والعسكرية وحسب – رغم اهمية الجهود والتضحيات المبذولة على هذا الصعيد – بل – وهذه مفارقة اخرى – للرفض المجتمعي الحاسم، الذي جوبهت به التنظيمات العنفية ومتبنو الخطاب الطائفي. وفي وقت تجد فيه مجاميع الارهاب آذانا صاغية في مجتمعات غنية ومستقرة، يرفض المجتمع العراقي المضطرب والمتأجج، تلك المجاميع ودعاتها، ويجردها من قاعدتها الاجتماعية، عكس ماهو متوقع في المجتمعات المضطربة حيث البيئة المثلى للتعصب، تلك كانت اولى المفاجآت.
لقد راهن اكثر المراقبين على فشل الانتخابات الاولى، ثم على اسقاط الدستور، وبعد تجاوز ذينك الاستحقاقين، ارتفع صخب الحديث عن حرب اهلية وانقسام البلد، بل وصل الامر الى وضع خطة التقسيم لدى الادارة الاميركية في ما عرف بـ"خطة بايدن". لكن التئام العراقيين على ثوابتهم، تجاوز حدود التفاؤل، ليثيرالتعجب والاعجاب معا. لم يستطع احد قراءة التفاعلات النفسية التي راكمها التاريخ الاشكالي لبلد اشكالي. فمن المفارقات العراقية كذلك، ان كثرة التبدلات والتمزقات السياسية، لم تنتج بالضرورة تمزقات اجتماعية، فكانت معادلة "الثبات المجتمعي والاضطراب السياسي" هي التي وسمت التاريخ العراقي.
ربما يجد قانون "وحدة وصراع الاضداد" تمظهراته الحية في الواقع العراقي، فكل ما هنا يحمل الشيء ونقيضه. مجتمع شديد التنوع – طائفيا واثنيا ودينيا – لكن الثوابت والمشتركات فيه قوية بما يكفي لحفظ تماسكه في الاوقات الحرجة، حيث تستنفر طاقتها للعمل كمضخات ذاتية الدفع، بمعنى انها تنبثق من رحم المجتمع ذاته، وبوسائل غير متوقعة غالبا، فتقلب مسارات الاحداث عكس اتجاهاتها المنظورة.
هذا ما انعكس بدوره، على العملية الديموقراطية. لم يحتج العراقيون سوى الى اشهر، لينقلب الحال، من ضجيج طائفي طاغ، الى خفوت ثم تراجع لافت، في وقت بدأ الخطاب الوطني ينفض الغبار عن قامته، لتلزم القوى السياسية نفسها – اختيارا او اضطرار – العمل بموجبات ذلك النهوض، فتبتلع خطاب التشنجات السابقة، لترتدي لبوسا وطنيا، مجاراة أو اقتناعا بما فرضه عليها مجتمع مازال في طور البناء ديموقراطيا.
ما يسجل للقوى السياسية، ليس قدرتها على تجاوز مفردات الخطاب الطائفي، بل تمكنها من ايجاد آليات قراءة بقدر من الوضوح لارهاصات مجتمعها ومعرفة اتجاهاته، وتاليا تكيف اوضاعها الداخلية طبقا لذلك.
مفارقة اخرى خرجت عن متوقعها، وهي تسارع الاستجابة للعملية الديموقراطية في الاحزاب الاسلامية وبعض القومية في شقها العربي، وتعثرها في الاحزاب الكردية ذات الطروحات العلمانية، حيث كان المتوقع، ان الاحزاب الكردية مع تمرسها واسبقيتها في تلك التجربة طوال ما يزيد عن عقد من الزمن، سوف تكون المرتكز الرئيس في تسريع عملية الانتقال نحو الديموقراطية، لكن ماحدث كان مغايرا تماما، حيث لا تزال تلك الاحزاب شديدة المركزية، ولم تحدث فيها ارهاصات واضحة في اتجاه الانفتاح نحو خطاب آخر يتجاوز الشعارات القومية الضيقة التي مازالت تدور في فلكها.
يعود سبب ذلك الى عاملين : تجاذب الاحزاب في الشق العربي، يقع في التوجه نحو بناء الدولة، وبالتالي فجميع خياراتها السياسية باتت سواقيها تصب ضمن هذا المجرى فيما ارتباك الكرد بين مرحلة التحرر الوطني التي لا تزال تحكم غالبية التوجهات الكردية، وبين المشاركة الحقيقية في عراق ديموقراطي، اوقعهم في منطقة وسطى تحتمل السلب كما تحمل الايجاب. فقد حافظت على تماسك البنية الداخلية للاحزاب الكردية من جهة، لكنها منعتها من مواكبة التطور الديموقراطي حتى في بنائها الداخلي من جهة اخرى. لذا انقلبت المعايير ديموقراطيا لغير مصلحة القوى الكردية، التي وان كانت ارهاصات الديموقراطية آتية اليها لا محالة، الا انها ستتأخر لحين حسم الخيارات فكريا وسياسيا في إتجاه المشاركة فعليا في بناء العراق من دون مراهنات تبدو اقرب للطوباوية منها الى حسابات سياسية استراتيجية.
لم يأتِ انحسار الخطاب الطائفي بقرار سياسي، بل بحرم مجتمعي، فحتى سنوات قريبة خلت، كانت تصريحات الاطراف السياسية، تؤجج المشاعر وتلهب الشارع العراقي، لكنها تلاشت لتصبح حركة الشارع "الاجتماعي" هي التي تلجم السياسيين وتمنعهم من الشطط. كان ذلك اشبه بقرار "سحري" غير معلن من احد، لكنه منظور من قبل الجميع. الرفض المجتمعي لمفردات العنف بكل اشكالها – ادوات ووسائل وخطابا – امسك ثور الفتنة من قرنيه، فأدركت القوى السياسية حدود تحركها، رغم سخونة المعركة الانتخابية التي ستحدد مصائرتلك القوى واحجامها.
القوى السياسية الاكثر حضورا، انقسمت بحدة بين المشروعين: حكومة مركزية – أو فيديراليات مركزية، اصحاب المشروع الاول يحذرون بان الفيديراليات بشكلها الحالي، ستساهم بتفكك العراق كبلد موحد، فيما يحذر اصحاب الفيديراليات من ان الدولة المركزية ستقود الى انبعاث جديد للديكتاتورية.
المفارقة ان كل من المقولتين محقة في ما تحذر منه، لكن هذه الاحقية، تشكل مأزقا لا افضلية، حيث تساهم كل منهما في انقسام سياسي حاد يخلق مشكلة ولايضع حلولا. والمأزق ان كلا من اصحاب المشروعين، سيعتبر تراجعه هزيمة سياسية لا يمكن تقبلها وسيحشد كل ما لديه من وسائل تعبئة ضد المشروع المقابل. أمر كهذا يسير بالضد من تطورات العملية السياسية، ذلك لانه سيخلق ارباكا في المجتمع لأن المجتمع ان كان قد رفض مفردات العنف، الا أنه لن يرفض مفردات السياسة التي تتحدث عن مستقبل بلده، في مبررات ومسوغات تملك كل منها قوتها الاقناعية والخطابية انطلاقا مما يفرزه الواقع المعيش.
ما الحل اذاً؟
مصطلح "حكومة المركز" ليس باعتباره اشتقاقا لغويا وحسب، بل باعتباره مفهوما مغايرا أو مختلفا عن مفهوم "الحكومة المركزية". فالمصطلح الاخير في تطبيقاته، يعني مركزة السلطة في العاصمة بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر عسكريتارية، وتعقيدات ادارية، تبعثر الزمن، وتمنع سلاسة وحيوية عملية اعادة الاعمار، وتحديث النظم الادارية، وفاعلية الجهاز القضائي، وسواها من امور يئن من رداءتها العراق.
أما المصطلح الاول "حكومة المركز" فيعني في تطبيقاته، احتفاظ الحكومة الفيديرالية بالمهمات الرئيسة الاربع (الامن – الدفاع – العلاقات الخارجية – الثروة الوطنية والنقد)، تلك صمامات الأمان لوحدة العراق، لا ينبغي التفريط بها تحت أي ظرف، اما ماعدا ذلك، فيترك للفيديراليات ان تدير امورها بنفسها بلا مركزية ادارية واسعة الصلاحيات، وذلك يقود الى تشريعات متجددة تتطلب تعديلات دستورية تشكل عامل اطمئنان بضمانات قوية، تقطع الطريق على احتمالات انبعاث اي شكل من اشكال الديكتاتورية، كما ان المصطلح بحد ذاته يوحي بمضمونه ولايثير الحساسية كما في "الدولة المركزية" التي ارتبطت في اللاشعور بأسوأ ظروف عاشها العراقيون.
لاشك في ان الانتخابات الحالية، قد سارت اشواطا ثابتة نحو الديموقراطية، وايا تكن النتائج التي تحققها، فقد بات العراقيون ينظرون بارتياح، الى تفكك الكيانات والائتلافات السابقة، التي بنيت وفق متطلبات المحاصصة والفرز الطائفي.
ان مصطلح "الشعب العراقي" اصبح واقعيا وحاضرا بقوة في صنع القرار، ولم يعد مجرد كلمه لا تعني سوى مكونات بشرية لارأي لها، انهم الآن شعب يريد من يبشّره بالمستقبل، لا من يذكّره بالماضي.
– بغداد
"النهار"




















