بعد التصدع والتشظي الذي اصاب الكيانات السياسية العراقية، والائتلافات العرقية والطائفية او المذهبية، وبعد فشل تجربة التوافقات التحاصصية بعد مجمل انتخابات سالفة كان قد حرم منها الناخب العراقي طوال عقود، يغلب على المشهد العراقي اليوم منظر آخر من مناظر الطيف الديموقراطي الجديد او مشهد من مشاهد النزوح الجماهيري الكبير الى صناديق الاقتراع العراقية، والتي وزعت بحسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الى 6088 مركزا انتخابيا في اربع عشرة محافظة عراقية من اصل ثماني عشرة، اي باستثناء اربيل والسليمانية ودهوك مناطق الشمال العراقي الكردي التي تتمتع بالحكم الذاتي، مضافا اليها من طاولها التجاذب ذاته في قانون مجالس المحافظات في البرلمان وتبيان شمولها أو لا، واخص محافظة كركوك حيث تسعى القوى السياسية الى تطبيع الاوضاع فيها حلا توافقيا لكل الاطراف.
وانتخابات مجالس المحافظات في العراق هي غير تلك التي جرت العادة على تهيئتها والاعداد لها سلفا، فهي الانتخابات الخامسة التي يذهب اليها الناخب العراقي طواعية ودون ادنى ضغوط، بل العكس هنالك ضغوط كبيرة لثنيه عنها، وهو ما دفع ببعض القيادات الفكرية الاسلامية او الرموز الدينية او الوطنيه الى الحشد لها عبر خطابات رنانة في المساجد تارة او المنتديات او الصحف وغيرها من وسائل الاعلام تارة اخرى، في وقت اعلنت فيه المرجعية النجفية السيستانية عن عدم دعمها لاي من القوائم المرشحة لخوض تلك الانتخابات مكتفية بالاشارة الى ضرورة المشاركة فيها على انها مسؤولية شرعية ووطنية، وهذا ما اعرب عنه ممثل السيد علي السيستاني وخطيب الحرم الحسيني في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي. وهو نهج شدد على انتهاجه نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي وصف الحدث بانه تاريخي ويفتخر به وتكرر في العراق الذي لم يعرف الانتخابات. وقال ان "الاستفتاء محسوم سلفا والعراق اليوم حر في من يختار والمرشح حر في ما يقول والناس احرار امام اختياراتها، وعليه انني ادعو الشعب الى الوعي والتمسك بالمسؤولية الشرعية" .
"المسؤولية الشرعية" التي يعتقدها بعض ارباب الفريق المناوئ لحكومة المالكي والتكتل الائتلافي الذي جاء به ومن بعده الحلف الرباعي الايل الى السقوط، يعتقدها غير مبرره ومفردات مبطنة توهم الناخب العراقي بحرمة التخلي عن هذه الانتخابات، وهي اشبه بالواجب العبادي الذي يفرض عليه الإتيان به وخلافه، فانهم في إشكال شرعي من هذه الخطوة التي يصفها زعماء وعلماء الطرف الاخر من العرب السنة، والذين قاطعوا الانتخابات من ذي قبل، بأنها المصيرية والتي ستحدد وجهتهم التي غيبها الارهاب وفلوله باجبارهم على مقاطعتها في المرات السابقة وفي المراحل المختلفه. وهو شعور يعبر عنه القادة العرب السنة كـ"خيبة امل"، ذلك انهم يعتقدون ان الانتخابات السابقه اسقطت نوعهم وعددهم من مجمل العملية السياسية او الخريطة الديموغرافية التي وجب عليها تقسيم كعكة الحكم في العراق، ولم ينالوا الا الفتات وهو ما يتلافاه الآن قادتهم ومشايخهم حتى في خطب الجمعة.
اذن لم تعد العملية زائفة وباطلة بوجود الاحتلال بل ان التخلف عنها إثم كما قال رئيس الوقف السني الذي حرّم التعاطي بفتاوى التحريم التي تصدرعن بعض جهات التكفير والضلال على حد قوله. في حين رأى اليسار العراقي، متمثلا بالحزب الشيوعي العراقي والذي يسميه البعض الحزب الشيوعي الاسلامي العراقي، والذي اخذ قادته بالانجرار وراء فتاوى المرجعيات للتوسط في حل معضلة تحاصصية او منصب ما، بان هذه الاقاويل والفتاوى تقلل من دورهم في الدعوة الى المواطنة والشراكة الحقيقية في مصير نتائج هذه الانتخابات وعنونوا قائمتهم بـ "مدنيي الشيوعي العراقي" وكنت مرمزة بالرقم 460.
كذلك الحال بالنسبة الى قائمة اياد علاوي وتحالفه السابق في قائمته العراقية والتي اخرجت تكتلا او تياراً اسمه "العراق لنا" وهو يضم ليبراليين ويساريين واقليات. وهو امر ابتعد عنه الدكتور احمد الجلبي بقائمته "المؤتمر الوطني العراقي" والتي اتخذت الرقم 274 وركزت في اختيار مرشحيها على النخبويين من المثقفين والاساتذة والعلماء المستقلين.
وسبق أن مر العراق قبل هذه الانتخابات باربعة انتخابات:
الاولى كانت في العام 2004 وهي انتخابات المجلس الوطني التي جاءت بالدكتور ابرهيم الجعفري رئيسا لوزراء العراق،
والثانية انتخابات المجالس البلديه في العام 2005،
والثالثة الانتخابات التي تم من خلالها التصويت على الدستور في العام 2005،
والرابعة انتخابات مجلس النواب في العام 2006 والتي انتجت البرلمان العراقي الحالي.
وستأتي الخامسة المزمع اجراؤها في نهاية الشهر الجاري وهي الانتخابات الثانية لمجالس بلدية ومحافظات.
وانتخابات مجالس المحافظات الحالية تشكل العصب الاساس والمفرق المفصلي في العمليات الانتخابية المقبلة وتبيان الأسس التي سيكون الحكم من خلالها، وذلك بعد الخلافات التي تدب بين الطرف او النسيج الطائفي او العرقي او حتى الحزبي الواحد.
فالمالكي اختار اسما لقائمته هو "ائتلاف دولة القانون" (302)، وهو يشترك بكثافة في مناطق الوسط والجنوب ومناطق متفرقة من بغداد وضواحيها. ويعوّل المالكي على كوادر "حزب الدعوة" من الصف الثاني شيوخ القبائل والعشائر العراقية الذين اسس لهم في ما مضى ما سمّاه بـ"مجالس الاسناد" كقوة دفع ودعم لحكومته المركزية في بغداد. في حين شكل ابرهيم الجعفري قوائمه تحت مسمى "تيار الاصلاح الوطني" وعوّل فيه على المستقلين وبعض النخبويين من المثقفين والفنانين العراقيين اصحاب الشأن والسمعة في الوسطين الفني والثقافي العراقي.
اما التيار الصدري، فكعادته اختار اسلوب المماطله حتى انه لم يعلن دعمه لاي قائمة واضحة او ذات غطاء سياسي ما، بيدّ انه سرعان ما عاد ليعلن دعمه، وعبر مكتب الصدر السياسي في النجف، لقائمتي "الاحرار المستقلين" و"النزاهه والاعمار".
اما القائمة 270 فقد روج لها الشاب عمار الحكيم في كل من الوسط والجنوب بطريقة مؤسسية، حيث جند كل مؤسسات شهيد المحراب ومراكز "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق" و"منظمة بدر" لقطاف اكبرعدد ممكن من الاصوات في صراع جنوبي او فرات اوسطي يخوضه 1453 مرشحا على 30 مقعدا، بينما يتضاعف العدد في بغداد ليكون 2482 متنافسا على 57 مقعدا من مجمل عملية انتخابية تشمل 14500 مرشح موزعين على 401 كيان سياسي مقسمومين على 440 مقعدا يصوت لها خمسة عشر مليون ناخب.
اما النساء ففي امر تمثيلهن لغط، فالمادة 13 في فقرتها الثانية من قانون انتخاب مجالس المحافظات تنص على وجوب تضمين القوائم المرشحة نسبة الربع من النساء، الا ان هذا لا يضمن كون ربع المقاعد في مجالس المحافظات للنساء كون الانتخابات تجري على القائمة المفتوحة ومن الممكن ان تذهب الاصوات للمرشحين من الرجال فقط.
هذا وقد تعرضت بعض الكتل لبعضها البعض استباقا لخوض العملية تلك، تارة برشق بعضها باتهامات كالتزوير او الضلوع في ازالة ملصقات او اضافة رموز دينية الى ملصقات اخرى، وقد تمت عمليات اغتيال وتصفيات جسدية لمرشحين على بعض القوائم من بينهم هيثم الحسيني عن "قائمة الدعوة" لنوري المالكي والحمداني عن "العراقية" في الموصل والموسوي عن "حزب الفضيلة" في البصرة واللهيبي عن "جبهة الحوار" في الموصل.
ويبقى العامل الاساس في فاعلية هذه الانتخابات وديناميكيتها هو "عنصر المفاجأة" وهو الحدث المفصلي في تاريخ العراق الحديث، حيث ان غالبية القوائم تعبر عن وجهة رموزها الفردية لا الحزبية او الطائفية او الميليشيوية الا ما ندر.
(مراسل عراقي)
"النهار"




















