تختلف الآراء في طبيعة ما سيحدث بعد وقعة غزة أو حربها، تبعاً للفهم الذي يعتنقه كل فريق لأسباب حدوث ما حدث، وتبعاً للرأي فيما يحاول العرب، وتحاول الولايات المتحدة والقوى الغربية القيام به، فالاسرائيليون يقولون انهم ارادوا توجيه ضربة "قوية" لحماس، ترغم الدول الغربية على الاصغاء لهموم اسرائيل الأمنية، وقد حدث ذلك، اذ ان الولايات المتحدة وفرنسا تقدمتا بعروض لمراقبة الأجواء البحرية والجوية لمنع تهريب السلاح الى غزة، كما ان سائر الدول عادت للاهتمام بالتسوية. والواقع انه كان هناك اهتمام بالتسوية قبل حدَث غزة، والدليل على ذلك قرار مجلس الامن رقم 1850 قبل شهرين، واعلان روسيا يومها انها تسعى لمؤتمر دولي من اجل القضية الفلسطينية في الربيع المقبل.
أما حماس وأنصارها فيذهبون الى ان اسرائيل ما حققت اهدافها لأن الحركة استمرت في اطلاق الصواريخ الى النهاية. ثم ان قبضتها على القطاع لم تتراخ. وقد حصلت على المزيد من "الشرعية" لوقوف الجمهور العربي وبعض الأنظمة معها، وهي التي تفاوض اسرائيل (بواسطة مصر) على التهدئة المحددة المدة الآن. وفي الدعويين الاسرائيلية والحماسية بعض من الحقيقة. ولذا يمكن القول انه ما دام الطرفان قد انتصرا في حرب لا بد ان يكون فيها خاسر، وهو هنا الشعب الفلسطيني في غزة، والذي ما سقط منه الاف الشهداء والجرحى وحسب؛ بل واختفى مئة شاب من القطاع بعد وقف اطلاق النار!
اما العرب الكبار، السعودية ومصر، فانهما تعملان معا للخروج من المأزق الذي تسببت به منذ سنوات العدوانية الاميركية والاسرائيلية والعدميات باسم الاسلام، فالسعودية تعمل جاهدة بعد مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت على المصالحة العربية ـ العربية، ومصر تعمل على امرين: تثبيت وقف اطلاق النار والتهدئة، للتمكن من إعمار غزة ـ وجمع الفلسطينيين في حكومة وفاق وطني، لاستعادة العمران الى القضية الفلسطينية. وقد وصل السناتور ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي الى المنطقة فزار مصر والاراضي المحتلة والسعودية والأردن. وأعلن من مصر ان الأولوية لديه لتثبيت التهدئة. وقد قالت مصر ان الوقف النهائي للنار سوف يبدأ في 5 شباط، والتوحد الفلسطيني في الثاني والعشرين منه! واذ تحقق ذلك، فانه سوف يمهد للقاءات عربية ـ عربية، تعمل جميعاً على الاستعداد للتفاوض من اجل استعادة مسار التسوية. ويقال ان ميتشل انما جاء مستمعاً او مستكشفاً هذه المرة. والأمر كذلك بالنسبة للاسرائيليين الذين سيتغيرون او تتغير مواقعهم بعد اقل من اسبوعين بسبب الانتخابات في العاشر من شباط. لكن ذلك قد لا يكون دقيقاً بالنسبة للعرب، الذين لا بد انه فتح معهم حديث التسوية والحل النهائي.
والواقع ان الكرة في ملعب العرب والفلسطينيين. اذ كانوا قد اجمعوا لسنوات على المبادرة العربية للسلام، لكن اطرافا عربية تقول الان انها ما عادت صالحة. اما الفلسطينيون فالخلافات بينهم شاسعة على الوسائل والأهداف. فهدف فصائل منظمة التحرير التوصل من طريق التفاوض لاقامة الدولة الفلسطينية. أما الاسلاميون فهدفهم تحرير فلسطين. ووسائل منظمة التحرير سياسية ودبلوماسية، ووسائل حماس نضالية. ولذا فقد يكون المصريون انما يسعون لدفع الفلسطينيين جميعأً الى تلاق عملي لاجل التهدئة وادارة الاعمار، اما المصير النهائي للسلطة وطبيعتها فتحدده الانتخابات الرئاسية والنيابية ان امكن تنظيمها من جانب حكومة التوافق المفترضة.
بعد جلاء غبار المعارك، تكشف الأمر عن كارثة ارتكبتها اسرائيل في حق غزة، وهي الكارثة التي دفعت الأوروبيين والأميركيين والروس الى التسارع ليس لتهدئة الوضع بعد انفجاره ثلاثة اسابيع وحسب، بل للعمل على الاستمرار في اجتراح الحلول. ويبدو الان ان الوصول الى الطاولة هو الصعب. والحقيقة ان وسائل الحل النهائي التي ينبغي ان يجري التفاوض حولها، هي الأصعب. لكن لا خيار للعرب الكبار الا بضم الفلسطينيين، وتهدئة الخلافات بين الدول العربية. أما أوباما فقد قال فكرته في مقابلة مع "العربية"، وهي فكرة مفيدة، ينبغي متابعتها وتطويرها.
ولله الامر من قبلُ ومن بعد.
"المستقبل"




















