قام المشروع الصهيوني في فلسطين على أساس نظرية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". وحتى تثبت الحركة الصهيونية صحة نظريتها وان فلسطين أرض بلا شعب ، عملت على تهجيرالفلسطينيين منها مستخدمة أفظع ما عرفته الانسانية من مجازر وقتل جماعي لدفعهم الى خارج الحدود .
بدأت هذه السياسة في عامي 1947 و 1948 بواسطة منظمات إرهابية مثل "الهاغانا" و"الشترن" . وقد ارتكبت هذه المنظمات مجازر في دير ياسين والرملة وفي غيرهما من المدن الفلسطينية مما عجّل في تهجير الفلسطينيين الذين لم يعرفوا من قبل هذا النوع من المجازر. فكانت الهجرة الكبرى في عام 1948 وعلى اثرها قام الكيان الاسرائيلي الذي تنافس على الاعتراف به كدولة في ذلك الوقت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي .
غير ان جيل الهجرة الأولى سرعان ما تحوّل الى المقاومة ، ولو باستخدام البيض الفاسد والطماطم.. جاءت بعد ذلك الهزيمة العربية في حرب يونيو 1967 لتطلق بنتائجها الكارثية العنان أمام تصعيد المقاومة. وفيما كان الفلسطينيون في الخارج ينظمون صفوفهم في منظمات مسلحّة ، لجأ فلسطينيو الداخل الى السلاح المتوفر لديهم وهو الحجارة .
عملت اسرائيل على مواجهة انتفاضة الحجارة بأسلحة الطيران والدبابات وبممارسة المزيد من القمع والاضطهاد والتنكيل. وملأت سجونها بالآلاف من المعتقلين من المقاومين الفلسطينيين ولكن دون نتيجة .
بعد حرب 1973 تطوّرت مقاومة الاحتلال الى استخدام السلاح داخل الأرض المحتلة. فزرعت العبوات الناسفة تحت الدبابات والمجنزرات الاسرائيلية.. ووجه الرصاص الى صدور الجنود الاسرائيليين.. ثم كانت العمليات الاستشهادية من خلال الأحزمة الناسفة.
وكان ردّ اسرائيل مزيداً من القمع والاضطهاد والتنكيل ومزيداً من العنف العسكري التدميري على النحو الذي وقع في مخيم جنين في الضفة الغربية . فأقامت اسرائيل الجدار العنصري الفاصل الذي اقتطع مزيداً من الأراضي الفلسطينية، وأقامت المزيد من المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية حتى حوّلتها الى ما يشبه الجبن السويسري المتعدد الثقوب.. ولكن ماذا كانت النتيجة؟
لقد رفع المقاومون الفلسطينيون مقاومتهم الى الصواريخ . من كان يتصوّر أن تتمكّن دكاكين الحدادة في غزة ان تصنع صواريخ القسام التي يبلغ مداها ثلاثين كيلومتراً؟
ومن كان يتصوّر ان تتمكن المقاومة الفلسطينية في غزة من حفر أنفاق تحت رمال الصحراء لتهريب الأسلحة والذخيرة وصواريخ الغراد من مصر وعبر أراضيها؟
لا شك انه حيث تكون هناك ارادة توجد وسيلة. فالمزيد من العنف الاسرائيلي أدى الى المزيد من ردّ الفعل الفلسطيني: من الطماطم والبيض الفاسد، الى الحجارة فالى أسلحة الصيد فالعبوات الناسفة.. فالصواريخ . ولكن هل ان هذا هو خاتمة المطاف؟
في ضوء الموقف الاسرائيلي من قرار مجلس الأمن الدولي 1860 ، وفي ضوء المجازر المروعة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في غزة ، لا يبدو ان الجواب سيكون بالإيجاب . فالجرائم الاسرائيلية هزّت الضمير العالمي وحملت حتى اصدقاء اسرائيل وحلفائها على ادانتها لما ارتكبته من جرائم بالقصف العشوائي للمدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء .
لقد أدخل هذا العدوان المقاومة الفلسطينية في مرحلة تصعيدية جديدة . فالأطفال الذين عاشوا المجازر ورأوا أهلهم يُقتلون أمام أعينهم ، كيف سيكون ردّهم في المستقبل وهم يحملون في عمق ذاكرتهم صور الفواجع التي عاشوها؟
من أجل ذلك ، فبعد مرحلة الصواريخ ، لا بد ان نشهد مرحلة جديدة ليس من الصعوبة تصوّرها اذا لم تتحقق تسوية سياسية عادلة تعيد للشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه .
فمن يدري اذا استمرت اسرائيل في تعطيل مساعي التسوية، وفي رفض المبادرة العربية (قمة بيروت العربية 2002) ان يصعّد المقاومون الفلسطينيون من مستوى تسلّحهم لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي. فبعد الصواريخ، قد يحصلون أو قد يصنعون قنابل قذرة كيماوية أو جرثومية للردّ على الاعتداءات الاسرائيلية الإلغائية ليس لحقوقهم فقط، انما لوجودهم ايضاً؟.
حاول الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما المبالغة في تبسيطه لهذه القضية الكيانية المعقدة بقوله : "اذا كان هناك من يطلق الصواريخ على البيت الذي توجد فيه ابنتاي فانني سوف اردّ عليه بالتأكيد . وهذا من حق الاسرائيليين ". ولكن الرئيس أوباما لم يسأل نفسه لماذا فرضت اسرائيل على قطاع غزة الحصار التجويعي والحصار الطبي ومنعت عنها كل مصادر الطاقة في شتاء قارس؟ .. ولم يسأل الرئيس أوباما لماذا حرم الفلسطينيون في غزة من حقوقهم الانسانية ومنها حق التنقل والسفر للعمل أو حتى للدراسة؟
لم يسأل عن الفعل الاسرائيلي، وهاله ردّ الفعل الفلسطيني. لم يرَ شلالات النار تتساقط على البيوت والمدارس والمستشفيات الممتلئة بالعائلات الفلسطينية المذعورة من خلال القنابل العنقودية التي منحتها الولايات المتحدة الى اسرائيل والمحرّمة دولياً ولكنه رأى صواريخ القسام المحلية الصنع تسقط كردّ فعل على بعض البلدات المحتلة من اسرائيل . فكانت الصورة التي رسمها تبريراً للقصف الاسرائيلي المتوحش على قطاع غزة ، مدناً وبلدات وقرى دون أي استثناء .
يكشف الرسم البياني لخط الاعتداءات الاسرائيلية ولخط المقاومة الفلسطينية ليس فقط على تلازم الخطين ، انما على تصاعدهما المستمر والمتواصل. اي انه خلافاً للحسابات الاسرائيلية فان الارهاب والتنكيل والتهجير والعقاب الجماعي لم يرهب الفلسطينيين ولم يفت من عضدهم ، ولم يحملهم على اليأس والاستسلام للأمر الواقع، ولكنه ادى الى العكس من ذلك، أدى الى تصعيد مقاومة الاحتلال جيلاً بعد جيل، بشراً وسلاحاً .
فالجيل الفلسطيني الحالي يبدي مقاومة أشد من الجيل السابق. ولا شك في ان جيل ما بعد مجازر غزة سوف يكون أشد مقاومة من الجيل الحالي. والسلاح الذي يستخدم اليوم في المقاومة هو اكثر تطوراً من السلاح الذي استخدمه المقاومون السابقون. ولا شك ايضاً في ان المقاومين القادمين الذين يتخرجون من المجازر الاسرائيلية سوف يستخدمون سلاحاً اكثر تطوراً من السلاح الحالي .
فماذا بعد ؟ والى أين ؟. ألا يوجد عاقل في اسرائيل يطرح هذه الاسئلة ؟. الم تكتشف اسرائيل والولايات المتحدة، حليفتها العمياء، ان القتل والتهجير والاحتلال ومصادرة الحقوق وامتهان الكرامات وتدنيس المقدسات لن يحلّ المشكلة بل يزيدها تعقيداً؟ والى متى ؟..
"المستقبل"




















