دافوس –
نجم «المنتدى الاقتصادي العالمي» هذه السنة في دافوس هو «الأزمة» تأكيداً على شهرة انتشار القلق من أبعاد إفرازات الوضع المالي والاقتصادي العالمي المنهار منذ بدء الخريف. انما النجم الذي تألق في مخيلة المؤتمرين في المنتجع الشتوي في جبال الالب هو «الثقة» ومن سيكون مصدرها في رحلة التغلب على الكآبة والتوجه الى المعافاة نحو وضع افضل بعد ترميم – بل ربما النفض الكامل – لمقومات المرحلة المقبلة المترتبة على اصلاح الرأسمالية، ولأن الرئيس الأميركي الجديد، باراك أوباما، يتمتع بموقع مميز في مخيلته وتصور كثيرين في العالم، لربما تكون الرغبة – وليس فقط الحاجة – الى قيادة أميركية تجددية للعالم نحو ما بعد الرأسمالية التي أصابها الخلل، هي النجم الذي يختبئ في سماء التطلعات. انما معنى وتعريف القيادة والثقة يأخذ منحى جديداً في عهد «الأزمة» وفي التفكير الجماعي بكيفية الخروج منها. وهنا يبرز الدور العربي الفريد الذي يمكن للقيادات العربية ان تصيغه بحيث تحل الشراكة محل الشماتة وبحيث يأخذ العرب مقعداً استراتيجياً على الطاولة بدلاً من لعب أدوار بنوك الإنقاذ العابر. بهذا فقط يمكن للمساهمة العربية ان تؤخذ بجدية في الاعتبارات الغربية، لا سيما الأميركية، بدلاً من استمرار النظر اليها بأنها مشتتة ومتلهفة للاعتراف والقبول بها وجاهزة للاستغلال بلا مردود بعيد المدى.
السنة الماضية في دافوس كان حديث اصحاب الأموال العربية الكبرى من حكوميين وغير حكوميين عن الدهشة لعدم الترحيب الغربي – لا سيما الأميركي – بأموال «الصناديق السيادية»، بل ان رائحة العنصرية عبقت في أحاديث الاستياء من مقاومة وممانعة الأموال العربية الجاهزة للاستثمار في الولايات المتحدة.
اليوم، الوضع مختلف تماماً إذ ان الكثير من المؤسسات الاقتصادية يكاد يتوسل استثمار هذه «الصناديق السيادية» كجزء من عملية الانقاذ من ورطة «الأزمة». فالسيولة ملك في زمن الركود، والرغبة عارمة في تقنين الأموال الخليجية في استثمارات في الدول التي تعاني من الركود او هي على ابوابه.
انما هذه الصناديق ليست هذه السنة بالمستوى نفسه من الثروة كما في السنة الماضية لأنها «احترقت» هي ايضاً في استثمارات وعمليات انقاذ التهمتها نيران الأزمة. كذلك، افتقد رجالها كثيراً من النجومية التي تمتعوا بها السنة الماضية في دافوس. وبحسب تقرير لمجلس العلاقات الخارجية في نيويورك انخفضت الممتلكات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي من 1.3 تريليون دولار عام 2007 الى 1.2 تريليون دولار عام 2008، وكان أكبر الخاسرين دولة الامارات العربية المتحدة وقطر والكويت. بورصات دول الخليج خسرت من قيمتها السنة الماضية 535 بليون دولار اي ما يقارب جميع ايراداتها النفطية في تلك الفترة حين كانت اسعار النفط حوالي مئة دولار للبرميل.
ولمجرد إبراز خسائر المنطقة العربية لاسباب مختلفة، قدرت دراسة دولية ان تكلفة عقدين من النزاعات في الشرق الأوسط تقدر بحوالي 12 تريليون دولار وهي تكلفة مرشحة للارتفاع في حال تواصل النزاعات في المنطقة، بحسب مجموعة «ستراتيجك فورسايت غروب».
هذا المنعطف من المسيرة الاقتصادية العالمية ومن الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط يتطلب البدء بوضع التصور لرؤية استراتيجية تتغلب على التفكك والتشتت السائد في المنطقة العربية. من المؤهل للقيادة في هذا الاتجاه؟ وهل هذه القيادة ومثل تلك الرؤية ممكنة في زمن الانقسام والمنافسة؟ وهل هناك مجال لقيادات تعددية، بمستويات متفاوتة، حتى في خضم الخلافات العربية بما يتجنب قيام الدول العربية والشعوب العربية بدفع فواتير باهظة كما في الاستثمارات الفاشلة غير المرتكزة الى استراتيجية متماسكة، أو كتلك المترتبة على استمرار النزاعات؟
مثل هذه الاسئلة مطروح في كثير من التجمعات الاقليمية والعالمية – كدافوس – حيث رافق صحيفة «هيرالد تريبون» تغليف للصحيفة بإعلان تزامن مع افتتاح المنتدى الاقتصادي حمل عنوان: العربية السعودية – اقتصاد مزدهر في زمن الركود.
السعودية هي العضو العربي الوحيد في مجموعة العشرين التي حلّت محلياً مكان مجموعة الدول الثماني الصناعية المتطورة والتي تمر حالياً بأحد أصعب فتراتها بسبب «الأزمة». الصين أيضاً عضو مهم في مجموعة العشرين الى جانب دول أخرى، افريقية وآسيوية وأوروبية وكذلك الولايات المتحدة، تتوجه اليها أنظار العالم حين تجتمع في شهر نيسان (ابريل) المقبل.
منتدى دافوس يود أن يكون شبه مختبر ومحرك للتفكير الجماعي على أعلى المستويات للسياسيين والمفكرين والمبدعين ورجال ونساء الأعمال ليخرجوا باقتراحات محددة لمجموع العشرين. وحسناً يفعل. بل يجب أن تنصب المنتديات العربية على مثل هذا الهدف للتأثير والمساهمة بصورة مباشرة في تمثيل الممملكة العربية السعودية في مجموعة العشرين للمصالح العربية عامة.
بالتأكيد، هناك فرصة لمشاركة عربية في رسم ملامح العهد الجديد ما بعد «الأزمة» التي لا سابقة لها في زمن الرأسمالية. هناك كلام عن «ازم – ism» جديد ما بعد الـ «كابيتاليزم» (الرأسمالية) و «الكوميونزم» (الشيوعية) و «السوشاليزم» (الاشتراكية). وهناك فرصة موازية للتأثير في صنع السياسات نحو المنطقة العربية والشرق الأوسط عامة، إذا أحسنت الدول العربية – لا سيما الخليجية – الاستفادة من الفرص المؤاتية للتأثير في مرحلة ما بعد «الأزمة».
بعض الغاضبين من العجرفة الأميركية التي انطوت على عنصرية ضد العرب شامت لما حدث ويجري الكثير من المتعجرفين الآن وراء الأموال العربية في «الصناديق السيادية» أو غيرها. الشماتة لا تشكل استراتيجية. الشراكة هي أفضل انتقام من العنصرية وأفضل استثمار في صوغ الموقع العربي في المستقبل العالمي.
الرئيس الأميركي باراك أوباما يريد تلك الشراكة. توجهه الى العالم الاسلامي في أول حديث يدلي به بعد تنصيبه الذي اختار ان يكون لمحطة «العربية»، له رسالة مهمة لا تقتصر على الشراكة في حل النزاعات وانما الشراكة في صوغ التوجهات للعقد المقبل إن لم يكن للعقود المقبلة في العلاقة الأميركية بالعالم الإسلامي وبالمنطقة العربية. باراك أوباما لا يعرض تلك الشراكة على أمثال «القاعدة» ولا يخاطب «القاعدة» في توجهه إلى التفاهم مع العالم الإسلامي. إنه يخاطب الدول والمؤسسات والشعوب الواعية الجاهزة للبناء وليس تلك المتمسكة بأيديولوجية التدمير. إنه يفهم العلاقة المطلوبة بين الدول الواقعة في عجز مالي وبحاجة إلى الاستدانة مثل الولايات المتحدة وبين الدول التي تملك السيولة وقادرة على توفير الديون مثل السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي.
فالولايات المتحدة تفضل أن تستدين من أمثال السعودية بدل الاستدانة من أمثال الصين لأسباب متعددة، منها الثقة والتقارب التاريخي والايديولوجي. فالصين تبقى شيوعية وهي دولة كبرى تتجهز للمنافسة على مرتبة الدولة العظمى في العالم. أما منطقة الخليج العربي، فإنها الشريك المكمل الذي يفيد ويستفيد إذا أحسن أطراف الشراكة صوغ أسسها وتصور مستقبلها استراتيجياً وعملياً.
ولأن الحكومات تكاد تكون عادت إلى التأميم كأجراء ضروري في انقاذ المصالح الكبرى، هناك حاجة ملحة إلى إعادة نظر الحكومات في طبيعة نظرتها إلى المواطن والمصالح الصغيرة والكبيرة في مختلف القطاعات. فلقد فشلت الحكومات العربية في تثقيف وتدريب الكوادر خوفاً على نفسها من كوادر مستقلة. اليوم، لا مجال في الشراكة المحلية بين الحكومات والمصالح سوى لجعل التثقيف والتدريب والبحث والتطوير قاعدة أساسية للتوجهات والاستراتيجيات. كذلك فشلت المؤسسات الأكاديمية والفكرية والإعلامية في الولايات المتحدة في تثقيف الفرد الأميركي في المواطنية – كقدرة شرائية وكمسؤولية سياسية عليها واجبات تفرضها عليها الأنظمة الديموقراطية.
كي تكون المساهمة العربية بمستوى مسؤولية الشراكة والموقع العالمي الجديد، لا مناص من الاقلاع عن كثير من أنماط العادة والاعتياد وكيفية مخاطبة الآخر بعيداً عن ثقافة الطاعة والانصياع. صحيح أن هناك تقدماً وفكراً جديدين في كثير من المجالات في البقعة الخليجية من العالم العربي، لكن قيود التقاليد المثقلة تعرقل المسيرة وتحول دون تقدير الجهود التجددية وتحجب الثقة.
الثقة – تلك البضاعة الثمينة التي تحرك المستقبل – هي ما تطلع اليه المؤتمرون في دافوس، مَن مصدرها، ومَن يوحي بها ومَن يضمن استمرارها؟ بالتأكيد الرئيس باراك أوباما وفريقه عنوان أساسي ورئيسي في البحث عن الثقة، إنما في زمن الحاجة إلى التفكير والفكر والعمل الجماعي، فإن العناوين المكملة للعنوان الأميركي لها وزنها وثقلها في تكوين «الثقة». ومرة أخرى، أحد العناوين الفائقة الأهمية والفعالية هو المنطقة العربية.
فالأزمة المالية والاقتصادية الراهنة ليست «مشكلتهم» وإنما هي «مشكلتنا». وهذا ما فهمه المؤتمرون في دافوس بقيادة رئيس المنتدى كلاوس شواب، الذي يفكر دائماً بصورة ابداعية وتطلعية عندما يضع رؤوس الأقلام العريضة للمنتدى الاقتصادي في دافوس.
هذه سنة الابداع في الخروج من «الأزمة» بأسس جديدة لعلاقة القطاع الخاص بالحكومة وبالمواطن بعدما انحسرت الثقة بالرأسمالية وسقطت على أنغام الطمع الرديء. إنها سنة مراجعة النفس وإعادة النظر في العلاقة مع الآخر. وإذا كان لنجم جديد أن ينتج عن التفكير الجماعي في أزمة اليوم العالمية ليحل مكان القلق والضياع، لعله يكون وليد الثقة والشراكة الجديدة نحو مستقبل من نوع آخر في «إزم ism» تقع ما بين الرأسمالية والاشتراكية أو فوقهما معاً.
"الحياة"




















