حازم صاغيّة
ثمّة في العالم العربيّ من يعامل باراك أوباما كما لو أنّه انتُخب لحلّ أزمة غزّة. وطبعاً على أوباما أن يحاول حلّ تلك الأزمة وأن يبذل قصارى الجهد لتذليل النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ. وأغلب الظنّ أن المسارعة في تعيين جورج ميتشيل وفي إرساله إلى المنطقة إقرار منه بضرورة ذلك.
وبمعزل عن مدى النجاح الذي سيتحقّق، بات واضحاً تماماً أن أوباما، على عكس سلفيه بيل كلينتون وجورج بوش، لا ينوي ترك الموضوع هذا لأيّامه الأخيرة في البيت الابيض. إنّه يواجهه في أيّامه الأولى.
لكنّ الرئيس الأميركيّ لم ينتخبه شعبه لحلّ أزمة الشرق الأوسط، ولا الأخيرة المحكّ الأوّل أو الأهمّ لرئاسته. وهذا إذا ما فات كثيرين عندنا، يُفترض به ألاّ يفوت من يسمّون أنفسهم تقدميّين.
فدلالات وصول رئيس أفرو أميركيّ ذي جذرين أسود ومسلم لم تستدع إلاّ الحدّ الأدنى من الاهتمام، وما استدعته مرّ على طريقة «على رغم الإنجاز المؤكّد… فإن الموقف الثابت لم يتغيّر». واقتصاديّاً، يجيء هجوم أوباما الأخير على العلاوات الهائلة لمدراء القطاع المصرفيّ تعبيراً آخر عن نهج يغاير السابق: ذاك أنّه، لا سيّما تحت وطأة الأزمة الحاليّة، تتدخّل الدولة في الاقتصاد وتأتي الخطّة الجديدة طامحة إلى توفير ملايين فرص العمل، 40 في المئة منها للنساء، عبر بناء وتجديد البنى التحتيّة. وفضلاً عن مباشرة العمل لإغلاق معسكر غوانتانامو، ستعود الولايات المتّحدة إلى سابق مساهمتها (وكان قد أوقفها بوش لأسباب دينيّة) في دعم المنظّمات التي تقدّم خدمات صحيّة تتعلّق بالإجهاض في «العالم الثالث»، وهو ما سينقذ آلاف النساء من موت محتّم. كذلك، وضدّاً على مواقف بوش وإدارته، ستنطلق الأبحاث في مجال الخلايا الجذعيّة وسوف تُمدّ بالإمكانات التي تتيح لها ذلك. وهذا ما سيتأدّى عنه تحسين فرص العلاج لأمراض القلب والسكّريّ وغيرها.
وغنيّ عن القول إن العرب والمسلمين، شأنهم شأن هذه البشريّة بأسرها، يصابون بأمراض القلب والسكّريّ، ويفيدون، بالتالي، من محاصرتها والتغلّب عليها. والأمر نفسه يصحّ، بهذه النسبة أو تلك، على سائر التوجّهات الجديدة في انعكاسها علينا، إمّا مباشرة (الإجهاض، غوانتانامو…) أو مداورة (ذهنيّة اقتصاديّة جديدة…).
مع هذا لن نعثر، إلاّ بعد شقّ النفس، على ما يدلّ إلى حفول عربيّ بهذه المسائل التي يُفترض بالتقدميّين جميعاً أن يهلّلوا لها، حتّى لو صدرت عن الولايات المتّحدة المنحازة لإسرائيل. وكان يمكن لـ «تقدّميّين» أكثر شبهاً بادّعاءاتهم أن يقرنوا اعتراضاتهم على سياسات أوباما حيال غزّة بالحماسة لإنجازات كهذه تعيش إلى ما بعد أوباما وما بعدنا جميعاً. لكنْ لا! فما يُنتَظَر من تقدميّين لا يجوز انتظاره من قوميّين ودينيّين يسمّون أنفسهم تقدّميّين.
والحال أن قضايا كهذه هي التي تعطي السياسة مضمونها، بل هي التي تجعلها سياسة. فمن دونها تنحطّ الأخيرة إلى مجرّد تثبّت مَرَضيّ على قضيّة واحدة مطلقة لا يوفّر إلاّ العداء والعنف الأعمى ترجمتها.
بيد أن ضعف الاكتراث بالمسائل تلك هو الوجه الآخر لانعدام الاهتمام بالمضامين والمعاني. فنحن، من هذا القبيل، تتّجه عواطفنا إلى المقاومات، بغضّ النظر عمّا تنطوي عليه من معان ومضامين، أو إلى أنظمة استبداد عسكريّ لمجرّد أنّها، مثل المقاومات، «تقاتل» الغرب وإسرائيل. هنا «التناقض الرئيسيّ» أو بالأحرى التناقض الأوحد.




















