فارس خشّان
ما ان وزّع مكتب الإعلام في قريطم مقتطفات من كلمة رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري في حفل العشاء الذي أقامه على شرف منسقي الاغتراب في "تيار المستقبل"، قبل أسبوعين، حتى قامت قيامة الناطقين بلسان "حزب الله"، ملوّحين بإسقاط تفاهم الدوحة، منددين بالعودة إلى إثارة الغرائز الانتخابية.
وأطل، أول من أمس الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مكرراً المواقف نفسها، معرباً عن "عتبه"، داعياً إلى الإقلاع عن إثارة الغرائز الطائفية.
وقد أثارت هذه المواقف التي تولّى "حزب الله" تعميمها استغراب مجموعة واسعة من المراقبين، على اعتبار أن النائب الحريري كان في كلمته وفاقياً، سواء على المستوى العربي أم على المستوى اللبناني، لا بل إنه في كلمته، بالمنشور منها وبغير المنشور، أوصى بالوحدة الوطنية، مدماكاً لاستقلال لبنان وسيادته وقراره الحر.
وقد تجاوز الحريري في تلك الكلمة، بشكل كامل، تهم التخوين المتكررة الصادرة عن أوساط محسوبة على "حزب الله"، على خلفية الحرب التي كانت تُشن على قطاع غزة، مقدماً شرحه لمبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز، الهادفة، وفق رأيه، إلى سحب البساط الذي كانت تحيكه الجمهورية الإيرانية الإسلامية، من تحت إبط المراهنين على إضعاف العرب بتقسيمهم.
ولم يأتِ الحريري على ذكر تفاصيل ما حصل في السابع من أيار 2008، بل اكتفى بإدراج هذا الحدث في سياق التطورات الأليمة التي شهدها لبنان، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وبمراجعة مواقف الحريري غداة لقائه اليتيم مع نصرالله يتضح بأن الحريري لم يعدّل في شعاراته الانتخابية، بل أكد مراراً وتكراراً أن صناديق الاقتراع هي التي ترد على ما حصل في السابع من أيار.
وبناء عليه، أين أثار الحريري الغرائز الطائفية، وأين خوّن الأطراف اللبنانية، وأين تلاعب بالعواطف الشعبية، وأين انقلب على الاتفاقات، وتالياً كيف يمكن أن يكون قد خرق تفاهم الدوحة واستطراداً قرار التهدئة الذي تمّ الاتفاق على تفاصيله في اللقاء اليتيم الذي جمعه بالسيد نصرالله؟.
ولأن الأجوبة عن هذه الأسئلة تنفي صحة الشكاوى المثارة جملة وتفصيلاً، وتجزم بأن الحريري بقي منضبطاً في نقطة ما بعد اللقاء مع نصرالله، فإن العارفين بحقيقة الأمور يعربون عن اعتقادهم بأن مشكلة "حزب الله" الجدية في لبنان تتمحور حول أنه قرر أن يرسم خطاً أحمر حول إيران في لبنان، متصدياً لكل من يتخذ مواقف نقدية منها.
وهذه الوظيفة التي انتدب "حزب الله" نفسه لها، تطوّعاً أو تكليفاً، فيها نظر، ولكن الإشكالية التي تسمح بالعتب على السيد نصرالله، تنطلق من اعتبار نصر الله أن توجيه انتقاد لإيران هو تلاعب بالغرائز المذهبية.
وتأسيساً على ذلك، هل يريد السيد نصرالله أن يُفهمنا أن إيران أضحت في لبنان مرادفاً للطائفة الشيعية الكريمة، أو بالأصح هل كل موقف سلبي من إيران سيتم تفسيره على أنه موقف سلبي من الجمهورية التي يتحكم بها "الولي الفقيه"، وهل "الولي الفقيه" هو حالة سياسية تفرض عصمتها حتى على من لا يعتنقونها مبدأ عقائدياً؟.
أكثر من ذلك، هل يتطلع السيد نصرالله إلى توسيع تفاهم الدوحة، بحيث لا يعود مجرد تفاهم لبناني ـ لبناني بل يتحوّل إلى تفاهم عربي ـ عربي وعربي ـ إيراني، تحت طائلة سقوطه في المعادلة اللبنانية؟
وفي حال صحّ هذا التوجه، هل يعتبر أن موقفه الهادف إلى تحصين إيران التي ليست دولة عربية منفصل عن واجبه في الإقلاع عن التحرش بالجمهورية العربية المصرية، وهي من كبريات الدول العربية، أم يريد أن يفرض على لبنان توجهه الخاص بالمحاور الحميدة والمحاور السيئة، على قاعدة المذهبية؟.
وفي هذه الحال، هل يضمن السيد نصرالله للبنانيين أن إيران أصبحت مثل الفاتيكان في علاقتها مع المسيحيين الكاثوليك أو على الأقل مثل المملكة العربية السعودية في تعاطيها مع الطائفة السنية؟ وهل يضمن حقوقاً للشيعة ممن لا يؤمنون بولاية الفقيه، كتلك المتوافرة في لبنان للمسيحيين الذين لا يؤمنون بمرجعية أسقف روما؟
من ناحية ثانية، ماذا يطلب السيد نصرالله من النائب الحريري، بخصوص السابع من أيار؟ هل يريد أن يضعه في خانة أيام لبنان الجميلة؟ وهل يريده أن يتجاوز تهدئة جمهوره الذي لا ينسى ماذا حصل في تلك المرحلة؟ وما هو عنصر الإثارة في دعوة الحريري الدائمة إلى الرد على انقلاب مسلح شهد أعتى الجرائم بعملية ديموقراطية راقية هي التوجه إلى صناديق الاقتراع، بدل الاستجابة للمطالبة المستمرة والتي لا تستكين بالتسلح والتحضر للمواجهة بدموية، على اعتبار أن التطرف يستولد التطرف، والدم يستقي الدم، والظلم ينتج الثورات، والإهانات تستدعي الانتفاضات؟
ومن ناحية ثالثة، هل المطلوب من اللبنانيين عموماً والنائب سعد الحريري خصوصاً أن يقبع مرتاح البال، وهو يستمع إلى الناطقين بـ"حزب الله" يعلنون مخطط استيعاب الدولة ضمن "المقاومة" في حين أن توجه اللبنانيين المتفق عليه هو استيعاب "المقاومة "ضمن الدولة؟.
ومن ناحية رابعة، لماذا يريدون تحويل لبنان إلى خط الدفاع الأول عن إيران في الوقت الذي يتباهون فيه بحصول التغيير الشامل على المستوى الدولي، بعد وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض باستراتيجية "الديبلوماسية الذكية"؟ ولماذا هذا الهجوم إلى الأمام طالما أن النظام السوري الذي يصرون على اعتباره حليفهم يقيم اتصالات مكثفة مع الدولة الفرنسية ويتحضر باحتفائية للانفتاح الأميركي؟
ومن ناحية خامسة، ومع الاحترام الكلي لعوائل الديبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين اختفوا في لبنان في زمن الحرب والويلات، فكيف يمكن لمجموعة لبنانية أن تقفز إلى "تجريم" مجموعة لبنانية أخرى لمصلحة دولة إقليمية؟ ولماذا إثارة الغبار ضد "القوات اللبنانية" في مسألة معروفة الوقائع والحيثيات والظروف ومرجعية القرار؟ وماذا يمكن أن يكون موقف "حزب الله" في حال قررت الدولة أن تستجيب لكل طلبات التعاون الدولي ضد الإرهاب الذي حفلت به البلاد خلال الحرب الأهلية أو في مرحلة التهيئة للحرب الأهلية؟ وكيف يمكن اعتبار موقف الحريري إثارة للغرائز الطائفية وموقف نصرالله من هذه القضية فوق الطائفية؟.
وفي مطلق الأحوال، إن ما ذهب إليه نصرالله في تفسيره لكلام النائب سعد الحريري، خطير للغاية، ليس لأنه يضع لبنان على خط الزلزال الإيراني فحسب، بل لأنه يدعو أركان الرابع عشر من آذار إلى التوجه نحو الانتخابات النيابية التي يعطيها "حزب الله" وظيفة شبيهة بوظيفة "التصدي" لحرب تموز 2006، محكومين بضابطين مستحيلين أولهما الصمت وثانيهما خطر الاغتيال، وذلك تحت طائلة العودة… إلى العقل الذي صنع السابع من أيّار.




















