نصير الأسعد
خلالَ العدوان الاسرائيلي الأخير على غزّة، كانَ ثمّة ارتياح لبناني عام الى اتفاق جميع الأطراف ـ و"حزب الله" في المقدّمة ـ على عدم توريط لبنان في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وهو الموقف الذي تجلّى في الاجماع على شجب إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، وعلى توصيف هذه الأعمال بـ"المشبوهة".
الإجماع اللبناني خلال العدوان على غزّة
وإذا كان مجلس الوزراء ـ مجتمعاً ـ ثمّن في أوّل جلسة له بعد إنتهاء العدوان على غزة ذلك الإجماع اللبناني من منطلق انّه حمى لبنان، فإنّه أكّد ان الإجماع نهض على أسس سياسية أبرزها التمسّك بالقرار الدولي 1701 وبتنفيذ كامل مندرجاته. وهذا ما عاد الحوار الوطني في جلسته الرابعة في القصر الجمهوري وثبّته بإجماع الطاولة أيضاً. وإنطلاقاً من الاعتقاد المدعّم بمعلومات أن جهة تُسمّي نفسها فلسطينية تقف "وراء" الصواريخ، فقد رأى "قادة الحوار" ضرورة التذكير بإجماع سابق على إنهاء "السلاح الفلسطيني خارج المخيمات" والسعي الى خلق "الظروف المناسبة" لتطبيقه.
نصرالله يسحب صفة "المشبوهة" عن الصواريخ
غير أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، في مؤتمره الصحافيّ الخميس الماضي، أحاط موقف حزبه بـ"إلتباس مقصود". فهو "فجأة" أعلن أن الحزب "لا يشجع" على إطلاق الصواريخ "ولا يمنعها" أو "يحرّض ضدّها"، معتبراً في مجال آخر ان المسألة شأن سياسي فلسطيني.
ليس فقط نزع السيد نصرالله صفة "المشبوهة" عن الصواريخ كما عن الجهة التي أعدّتها وأطلقتها. لكنّه أراد أن يقول إنّ الحزب "لا يتبنّى ولا يعترض" ويكتفي بأن "لا علاقة" له بتلك الصواريخ.
إذاً، لا مبالغة في القول إنّ نصرالله بدا في مؤتمر الصحافي الأخير مهتماً بإعلان "الانسحاب" من الاجماع اللبناني الذي نهض على معادلة تحييد لبنان عن المواجهات في الاقليم، لأنه لا يريد تكريس إعترافه بأن ذلك ما حصل فعلاً خلال العدوان الاسرائيلي على غزة.. أي التحييد.
الإنسحاب من الإجماع.. ومن دعم غزّة!
الآن، اي بعدَ مؤتمر نصرالله وفي ضوئه، يبدو "حزب الله" أمام إشكالية كبرى.
لا هوَ ضمن الإجماع اللبناني والمعادلة "المؤطرة" له. لكنه في المقابل لم يدعم غزة بـ"تحرك إستثنائي" ولم يفتح جبهة عسكرية من الجنوب.
فإذا كان خارج الإجماع اللبناني والمعادلة التي نهض عليها، لماذا لم يفتح جبهة عسكرية من الجنوب؟. هوَ لا يستطيع أن يفسّر عدم فتح الجبهة العسكرية بـ"أسباب لبنانية" لا يعترف بها ويرفضها، ولا يمكنه تفسير هذا الأمر بـ"طاقة" لبنان. ولا يكفي ما قاله السيد نصرالله للجواب عن هذا السؤال، لأن نصرالله إكتفى بالقول إن من يطرحون هذا السؤال "حيّرونا"، وتذمّر من أنّ "هؤلاء المحيّرين" لا يعجبهم إن قمنا بعمل عسكري ولا يعجبهم إن لم نقم به!.
بيدّ أن ما لا بدّ من قوله هنا هو الآتي: عندما لا يكون الإجماع على مصلحة لبنان الوطنية هو السبب وراء الحرص على هدوء الجبهة الجنوبية، يجب أن تكون أسباب أخرى حاضرة، فما هي إذاً؟. وإن لم تكن مصلحة لبنان الوطنية "أغلى" من نُصرة فلسطين وغزّة فما هو الأغلى من نُصرة فلسطين وغزّة كي يمتنع عنهما الدعم؟ وهل ثمّة ما هو "أغلى" من فلسطين.. إلا لبنان؟.
الخوف من الناس
ثمّة مكابرة لدى "حزب الله" وقيادته في الإعتراف بعددٍ من الحقائق الرئيسيّة.
يكابرُ في الإعتراف بحقيقة أنه لم يكن ليتجرّأ على تصعيد دعمة لغزّة من المستوى "السياسي" الى المستوى "العسكري"، لأنّ "أهله"، أي أهل الجنوب والبقاع.. والضاحية لم يكونوا على استعداد لقبول "الكلفة" فيما لم "تجفّ" كلفة حرب تموز 2006، ولأنه هوَ "خافَ" من أن تطيح مغامرةٌ من جانبه في حرب جديدة مع إسرائيل بـ"رصيده" بل و"شرعيّته" الشعبيّة والسياسيّة.
إذاً، ليس في الأمر "مبادئ" حتى لدى "حزب مبدئي" ومن مبادئه "المفترضة" نصرة فلسطين المظلومة أبداً. في الأمر حساب لـ"مصلحة" ولـ"مصلحة خاصة".
"المحزوزية".. و"الترسانة"
ويكابر "حزب الله" في الاعتراف بحقيقة أن السلاح الذي يمتلكه لم يعد قابلاً لأن يُحمّل مشروعاً سياسياً. ومع أن "العادة" أن يكون السلاح "بعد" المشروع السياسي، فإن الأهم قوله هو إن السلاح غير قابل لأن تُبنى عليه مقاومة ذات "وظيفة لبنانية" انتهت في حد ذاتها منذ زمن، بدليل ان أي عملية مقاومة لم تحدث منذ 2006، ولا هو قابل لأن يُبنى عليه دعم لفلسطين بدليل أن "المحزوزية حزّت" ولم يستخدم. فلأي مشروع يعمل السلاح إذاً إن لم يكن لمقاومة ذات "وظيفة لبنانية" أو لـ"مقاومة داعمة لفلسطين"؟
أما السؤال الأبرز فهو الآتي: إذا لم يكن عدم استخدام السلاح خلال الحرب الإسرائيلية على غزة من ضمن الحرص على الإجماع اللبناني، فلماذا "إدخاره" والى أية "حشرة"؟
أذاً، ليس في الأمر "مبادئ" هنا أيضاً. في الأمر مجرد رغبة في الاحتفاظ بترسانة إستراتيجية "قد" تكون إيران راغبة في استبقائها بمثابة "خط دفاع أول" عنها أو "قد" تكون لرغبة في التأسيس لـ"مشروع سلطوي" ما في لحظة معينة.
الفرصة المضيّعة
إن المقدمات الآنفة جميعاً تهدف الى تسليط الضوء على حقيقة أن شطراً مهماً من اللبنانيين الذين إرتاحوا الى الإجماع المتحقق خلال العدوان على غزة، "كانوا" الى ما قبل المؤتمر الصحافي للسيد نصرالله يريدون أن يتم التشديد على أن ذلك الإجماع ما كان ممكناً لولا "حزب الله"، أي أن للحزب "فضلاً" فيه. بل إن هذا الشطر من اللبنانيين كان على اعتقاد ان الاجماع المتحقق يشكل فرصة تاريخية بكل معنى الكلمة لتحقيق تسوية لبنانية "تاريخية" هي أيضاً. الى أن جاء الأمين العام لـ"حزب الله" في مواقفه الأخيرة يقول: ليس ثمة فرصة ولا تأملوا! بل أكثر من ذلك، جاء "ينسف" حتى الاجماع على إنهاء "السلاح الفلسطيني خارج المخيمات" ويقضي على عملية "تهيئة الظروف المناسبة" لإنهاء هذا السلاح.
يحق للبنانيين أن يقولوا إذاً إن "حزب الله" إنما "يرمي" إشكالياته "على" البلد بدلاً من أن يعالج إشكالياته "مع" البلد. ويحق للبنانيين الذين اعتادوا خلال مرحلة من تاريخ البلد أن يستمعوا الى "منطق" ما في ما يطرحه الحزب، أن يروا الحزب اليوم أشبه بـ"البطة العرجاء". لا منطق متماسكاً.. واخشوني!




















