بات من الواضح أن المصالحة العربية التي من المفترض أن تكون مبنية على خطاب العاهل السعودي عبد اللـه بن عبد العزيز ومقولته في قمة الكويت «عفا اللـه عما مضى» هي مصالحة مشروطة والهدف منها تخلي سورية وقطر ومعهما الدول التي شاركت في قمة الدوحة عن دعم المقاومة الفلسطينية، والابتعاد عن «العدو» الإيراني «ومطامعه» في المنطقة والالتحاق بمحور الاعتدال وسياسته المتمسكة بمبادرة السلام العربية، وبمحمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية إلى الأبد، وبمنظمة التحرير الفلسطينية ونهجها التفاوضي الاستسلامي، وبدور مصر «المحوري» في أي مصالحة فلسطينية مقبلة.
هذا باختصار ما نتج من اجتماع وزراء خارجية تسع دول عربية التقوا أمس في أبو ظبي، ووضعوا معاً «خريطة طريق» للمصالحة العربية تتضمن شروطاً وأهدافاً أقل ما يمكن أن يقال في وصفها أنها «تعجيزية»، ولا ترتقي في أي حال من الأحوال الى المصالحة التي كان يتطلع إليها الشارع العربي والتي كان محورها دعم المقاومة العربية ودعم صمود غزة وإشهار القوة العربية في وجه إسرائيل لإرغامها على التفاوض مع العرب وتوقيع سلام مشرف وعادل يضمن عودة كامل الحقوق الى أصحابها.
واللافت في اجتماع أبو ظبي أنه عقد باسم المصالحة العربية لكن بوجهة نظر واحدة وهي وجهة نظر دول ما يسمى الاعتدال واستبعاد سورية وقطر والسودان وكل من شارك في قمة الدوحة في رسالة مفادها: هذه شروط المصالحة، وهذه الترجمة الفعلية لكلام الملك السعودي عبد اللـه بن عبد العزيز، إذا قبلتم بها فأهلاً وسهلاً وإذا رفضتموها، فلا مصالحة وربما لا قمة عربية مقبلة في الدوحة.
الغريب في أمر عرب أبو ظبي أنهم حتى الآن لم يتعلموا من الواقع الساطع أمامهم.. لا يريدون الخوض في عمق الخلاف العربي ويريدون إملاء شروط وفرض سياسات إذا قبلت بها سورية وقطر فسيرفضها الشارع العربي الذي انتفض على قياداته وأوصل لها رسالة واضحة أن لا مساس بالمقاومة العربية.
يريدون فرض إيران عدواً للعرب، ويريدون فرض محمود عباس زعيماً وحيداً وشرعياً لكل الشعب الفلسطيني ويريدون لمصر أن تكون اللاعب الرئيسي في الملف الفلسطيني وتجاهل كل فصائل المقاومة وجمهورها ومناصريها وحتى عناصرها الذين استبسلوا في صد العدوان الإسرائيلي على غزة، فهؤلاء لا رأي لهم ولا دور وحقهم الوحيد هو ما سيتبرع به العرب من مال لإعادة إعمار بيوتهم المدمرة.
يريدون أن نتجاهل جرائم إسرائيل وحصار مصر ودور محمود عباس في العدوان، ويريدون أن نعفي إسرائيل عما مضى وأن نسير ونمد أيدينا لمجرمي الحرب ونطالبهم بالسلام.
يريدون من الدول أن تتخلى عن سياسة المحاور وأن تتبنى محوراً واحداً، وهو محور التفاوض مع العدو حتى الاستسلام مع الامتناع عن الدفاع عن النفس مهما كانت الظروف ومهما بلغت الوقاحة الإسرائيلية.
حسناً.. فلنعتبر أن إيران عدو، وأن حماس والفصائل الفلسطينية خانت العهد العربي، و«غامرت» فدمرت غزة، وأن مصر تصرفت بشكل عاقل ومدروس فأغلقت معبر رفح، لكن ماذا عن تركيا؟ هل سيتم تصنيفها عدواً أيضاً؟ وماذا عن الشعوب الأوروبية التي انتفضت على إسرائيل، وعن المحاكمات التي انطلقت في أكثر من عاصمة أوروبية لمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟ هل هؤلاء أيضاً لا قيمة لهم؟ وماذا عن الدماء والشهداء وعن الأسلحة المحرمة دولياً؟ وأين قرار قمة الكويت بملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟
نقول كل ذلك لأن على العرب اليوم التوقف عن اتباع سياسات بعيدة عن تطلعات الشعوب وأن يبدؤوا بشكل أو بآخر بإشهار أنيابهم لأن التاريخ أثبت أن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة ولغة المقاومة والتهديد..
في اجتماع أبو ظبي كان من الواضح أن هناك إصراراً على المصالحة الفلسطينية، وإذا كان بإمكان وزراء خارجية الدول الذين اجتمعوا في أبو ظبي أن يبادروا إلى هذه المصالحة في مصر أو غير مصر، فإن سورية وقطر وإيران ستشد على أيديهم، لكن عليهم أن ينتبهوا إلى حقيقة واحدة وهي ألا يخلطوا بين الضحية والجلاد وألا ينفذوا عن قصد أو غير قصد أجندة إسرائيل السياسية لأن في ذلك هلاكاً للعالم العربي ولمستقبل المنطقة، وإذا أرادوا فعلاً مصالحة عربية صادقة فسيتحتم عليهم إشراك كل الدول العربية في رؤاهم وتطلعاتهم وقراراتهم، فالمصالحة لا تفرض بل تبحث في حوار ونقاش إلى أن تتوحد الرؤية ونصل إلى سياسة عربية واحدة تضمن عودة كامل الحقوق.
الوطن – سورية




















