ثمّة ظاهرة واسعة الإنتشار في المجتمعات الإسلامية اللبنانية. ونحن سمّيها مجتمعات لأننا لم نستطع حتى الآن الوصول الى مجتمع يمتلك مُثلاً مشتركة. تتمثل هذه الظاهرة في تنامي انتشار الذين يعفون عن حلق لحاهم، وفي تزايد عدد المعمّمين الذين ترمز عمائمهم الى ميزة معرفية لها علاقة بعلوم الدين، تدلّل عليهم من جهة، وتكون سمة تميّزهم عن باقي أفراد المجتمع من جهة أخرى. يكتسب أصحاب اللحى والعمائم احتراماً خاصاً في مجتمعات يزداد فيها تأثير التيارات الدينية. وكأنّ هذه الخواص الشكلية، من لحية طويلة الى عمامة، هي علامة على قدرات معرفية مختزنة في ذوات هؤلاء الأشخاص، أو على صفات أخلاقية فاضلة يتّسم بها هؤلاء الموسومين بها.
تبتعد رمزية اللحية والعمامة عن الهدف الأساسي المبتغى منها، والمقصود به تمييز فئات من الناس "متبحّرة" في علوم الدين، وتستطيع إرشاد "العامّة الجاهلة" الى الصواب (هذا هو أساس مفهوم "العالم" بعمامته، ويقابله لغوياً "الجاهل"). لكن هذه الرمزية صارت اليوم صورة منفصلة عن أيّ مضمون، وبات الإحترام الموجّه الى الموسومين بها نوعاً من تقديس المظاهر. حديث الإحترام هذا يجرّ حديث الطاعة. ويدور في مجمله على مقام العمائم واللحى.
يعتبر العرب أنّ اللحى رمز للرجولة، وترتبط بمفاهيم الشرف والكرامة، بعيداً عن رمزيّتها الدينية. يذكر أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصبهاني في كتابه "في المجون والسخف"، أنّ الصاحب قال متهكماً على أحد الملتحين: "ولحية طويلة عريضة/ الضرط في أمثالها فريضة". في هذا القول، اختزل الصاحب شخصية الرجل المتهكم عليه بلحيته، وكأن مقوّمات الرجولة تتكثف فتصير لحية. هذا يدلل على علوّ مكانة اللحية في نظام القيم العربي. تتعلق رمزية اللحية بمفهوم العرب للرجولة، وليست حصراً رمزيّة دينيّة. لذلك لا ميزة للملتحي على غير الملتحي. وإذا كان المتديّنون يفضّلون وجود اللحى في مظهرهم، فهذا لا يعدو كونه تفضيلات جمالية من النوع الذي يتغيّر مع الأزمنة، وإن يكن تفضيلهم مرتبطاً بحثّ الرسول المسلمين على الإعفاء عن ذقونهم. إنّ علاقة نظام القيم بالمظهر تختلف مع اختلاف النظرة الى المظهر نفسه.
إنّ تحقير لحية أحدهم هو نوع من أنواع الشتيمة، لذلك يحمل الطلب من الملتحي حفّ لحيته دلالات سيطرة عليه، وفي السيطرة السلبية انتقاص من الرجولة. يروي إبن حزم الأندلسي في كتابه "طوق الحمامة" أنه "كانت لسعيد بن منذر بن سعيد صاحب الصلاة في جامع قرطبة أيام الحكم المستنصر بالله، رحمه الله، جارية يحبّها حبّاً شديداً، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقالت له ساخرة، وكان عظيم اللحية: إن لحيتك أستبشع عظمها، فإن حذفت منها كان ما ترغبه. فأعمل الجلمين فيها حتى لطفت، ثم دعا جماعة شهود وأشهدهم على عتقها، ثم خطبها الى نفسه فلم ترض به، وكان في جملة من حضر أخوه حكم بن منذر، فقال لمن حضر: أعرض عليها أنّي أخطبها أنا، ففعل فأجابت إليه، فتزوجها في ذلك المجلس بعينه ورضي بهذا العار الفادح على ورعه ونسكه واجتهاده".
يعكس هذا النص فكرة أن العار الذي لحق بسعيد بن المنذر ناتج من تهكم الجارية عليه، وخصوصاً لأن مادة تهكمها كانت لحية الرجل، وفي هذا انتقاص من رجوليته. لهذا أورد إبن حزم هذه الحادثة تحت عنوان "باب الطاعة"، فالرجل هو فاعل تجاه المرأة، بينما سعيد بن منذر كان مفعولاً به في هذه الحادثة.
تنتشر اللحى بكثرة بين الرجال. يعود هذا الإنتشار الى زيادة حضور التيارات الدينية في الحياة العامة. لهذا الإنتشار أسباب عديدة. لكن المهم هنا هو تلازم هذين الإنتشارين وتوسّعهما بحيث بتنا نستطيع تعميم قول الشاعر العاملي عبد الحسين عبد الله، الذي أطلقه في بدايات القرن الماضي قاصداً به رجال الدين:
وسرنا ما بين حشد من لحاهم/ مسير الطير ما بين الفخوخ
اللحية، بعيداً من الأخلاقيات الرجولية، هي رمز ديني عند المسلمين. تختلف هيئة اللحية بحسب اختلاف المسلمين الى فرق، وهذا الإختلاف ليس حديث العهد. المستشرق غبريال بويو لاحظ في ثلاثينات القرن الماضي في كتابه "سنتان في المشرق: ذكريات عن سوريا ولبنان"، بالنسبة الى رجال الدين أن "لحية الشيعة لم تكن لها استقامة لحية السنّة وترتيبها، بل كانت طويلة مسبلة متعرجة قليلاً تكسبهم هيئة نبوية جذابة". أما الإنتشار الحالي للحى فلم يعد خاصية لرجال الدين، إذ بات تفضيلاً شبه عام يعكس التفضيل شبه العام للثقافة الدينية. هو لا يرتبط بأيّ نظام معرفي، ولكن الملتحين يبتغون اكتساب الإحترام والمكانة اللذين يُمحضان لرجال الدين، فقط بحجة مشاركتهم في مظهرهم. في هذا الميل للربط بين التقويم والمظهر سلبيّات اجتماعية كثيرة، لا بل آفة إجتماعية، من حيث أن اقتصار الثقافة على المظهر، والإبتعاد عن ثقافة المضمون، لا يحفّزان إلا على حالة من الجهل العام. هذا عوضاً عن ظهور كثيف لأشخاص "زائفين" يتخفّون وراء مظاهر ترتبط بتقدير كان يُمحض سابقاً لمضمون من له هذه السمات الظاهرة. وكان مضموناً يرتبط بمفهوم التحصيل العلمي في عصر كان التعليم يتخذ شكل التعليم الديني. فالعلم كان هو علم الدين، إذ لم يكن هناك ميادين علمية أخرى تقتضي إجراء تمييزات.
إضافة الى إنتشار اللحى، تتزايد أعداد المعممين، وهذا يدلل على نشاطية الحوزات الدينية ومدارس التعليم الديني. تؤشر هذه النشاطية الى طبيعة الثقافة المهيمنة حالياً في المجتمعات اللبنانية. فانتشار الثقافة الدينية هو الوجه الآخر لتقلص الثقافة المدنية القادرة على التلاؤم مع مستلزمات الحضارة الحديثة.
من ناحية أخرى، تدلل كثافة انتشار العمائم على عدم ضبط مناهج التعليم الديني التي باتت تخرّج كثرة من رجال الدين يجهلون حتى الفرق بين المعتزلة والأشاعرة، كمثال. وتؤدي هذه الكثافة الى حتمية الصدام بين نوعين من القيم ينتجان من نوعين من مناهج التعليم. إذ كيف يمكن رجل دين لم ينه المرحلة المتوسطة بحسب منهج التعليم المدني أن يكون إماماً على متعلمين قطعوا أشواطاً في التحصيل العلمي، وما أكثرهم في مجتمعنا؟ وكيف لرجل – شيخ لم يعرف من العلم إلا العلم الديني خلال بضع سنوات في إحدى مدارس الدين أن يخطب سياسياً في الذين كان ذنبهم أنهم قطعوا أشواطاً في العلم، ولكن في العلم المدني؟! هذه تساؤلات لا بد من أن تؤدي حين الوعي بها الى فصام في مجتمعاتنا، عوضاً عن تقسيم الأدوار الذي كان سائداً ويستمر. ربما سبب بقاء اللحمة بدل الفصام يكمن في مفهوم "العامة" أي "الجهلة" في عرف العلماء. وهم، وإن لم يكونوا "جهلة" بحسب تصنيفات المعرفة الحديثة، لا يزال يتم التعاطي معهم كجهلة على أيدي "العلماء".
تحضر في هذا السياق قصيدة لعالم الدين البعلبكي علي النقي زغيب، نشرتها مجلة "العرفان" عام 1934، يستنكر فيها جهل رجال الدين ممن أساؤوا دراستهم بسبب الخلل في نظام التعليم الديني، جاء فيها:
وبعض العمائم فوق الرؤوس/ كهذي القباب لدى الأقيسه
إذا شمتها من بعيد تقول/ تبارك هذا الشكل ما أكيسه
تراها وقد شمخت للسماء/ تميل حبها أرؤس مفلسه
وإمّا نظرت بطيّاتها/ رأيت الطلاسم والبسبسه
علّق محرر المجلة على هذه القصيدة حين نشرها بالمثل الشعبي: "من يرى القبّة يظن أن تحتها مزاراً". عكس الشيخ زغيب آية "الجهل" على "العلماء".
حديث العمائم بعد اللحى يستحضر الحديث عن رجال الدين. وإن كنّا لا نعمم، فإن معظم رجال الدين لا يرون في مكانتهم، ولا يدفعهم الى تحصيل العلوم الدينية إلا مفهوم المهنة المربحة والموقرة، التي يمكن اكتسابها من دون مقوّمات واجبة على الراغب في تحصيل كهذا. تكثر في هذا الإطار النصائح الموجهة من الأهل الى أبناء لهم رسبوا في امتحان الشهادة المتوسطة: "روح عمْال شيخ". هؤلاء المشايخ، الذين يحضر نقدهم مع ذكرهم، تزاوجوا مع الزعماء السياسيين واجتمعوا معاً بهدف خلق رأي عام غير قادر على التمييز. ينطبق على حالتهم الراهنة قول عبد الحسين الأمين إبن المجتهد العاملي علي محمود الأمين:
أرى العلماء والزعماء طرّاً/ قد اجتمعا لما لا خير فيه.
هذه الثنائية المنتشرة في مجتمعاتنا، أي ثنائية زعماء -علماء تَنتج منها مفاعيل اجتماعية كثيرة. فالمسألة لم تعد كما في الماضي، حين كان "العالم" يضطلع بدور السلطة التشريعية، والزعيم بدور السلطة التنفيذية، بحيث كان يمتدح الزعيم الذي يقف على باب العالم، أي ذلك الزعيم غير المتسلط الذي يبحث عن الخير لأتباعه. المسألة الآن أكثر تعقيداً بكثير من هذه القسمة البسيطة، وهذا التعقيد هو نتيجة للتعقيدات التي تسم المجتمع الحديث. فالحياة اليومية لا يمكن تسييرها بالإقتصار على الفتاوى، وإن تكن بعض التيارات الأصولية المنتشرة في العالم العربي والإسلامي تحاول تحويل كل العلاقات الإنسانية الى علاقات تستوجب فتاوى. فالشؤون الدنيوية أوسع بكثير من الشؤون التي تناولتها الكتب السموية. هذا إضافة الى أن هذه العلاقة لم تعد تحتمل تبادل الأدوار السابق. فنحن أمام إحدى صورتين: إما خضوع العلماء للزعماء، وإما توليد العلماء لرجال السياسة، وهنا لا يمكن إطلاق تسمية "زعماء" عليهم، إذ لم نعلم أن مفهوم الزعيم يحتمل دوام الإنفعال. النتيجة في الحالتين تحالف موجّه نحو السيطرة على "العامة" من خلال خلق خطاب سياسي مغلف بشتى أنواع الأخرويّات. وهنا تصعيب لإمكان نقد المدني من "العامة" لخطاب كهذا يستقي مبرراته من عالم الغيب، فتكون النتيجة إما تبعية سياسية لا نقدية، وإما إغتراباً عن الشأن السياسي.
النتيجة لكل هذا تكون في أن يرتقي سلّم نظام القيم في مجتمعنا أشخاص إما ظهروا بفعل إمكان تكوّنهم بسهولة نتيجة استسهال مدارس التعليم الديني تخريج المشايخ وإيلائهم إمامة المدنيين، وإما ظهروا نتيجة تقليدهم مظهر رجال يحظون باحترام "العامّة". كلا الطريقين يؤديان الى حكم "العالم" لـ"الجاهل" على رغم صيرورة "العالم" "جاهلاً" بدوره. وهنا نستذكر بعض أشعار عبد الحسين عبد الله التي أنشدها في بدايات القرن الماضي مثل:
حرمون يا شيخ الجبال أخفتني/ لمّا لبست برأسك الإكليلا
فحسبت شيخاً من مشايخ عامل/ لبس العمامة يبتغي التدجيلا
كتعليق على هذه الأبيات، ننزع منها كلمة "عامل" التي ترتبط ببيئة الشاعر ومجتمعه، ونترك المجال للتعميم. كما ننزع كلمة "حرمون" ونضع مكانها أي جبل آخر تكلله الثلوج، وذلك بغية التعميم الجغرافي.
أصبح اجتماعنا قائماً على المظاهر دون سبر غور هذه المظاهر الى مضمونها. وهذه الثقافة المظاهرية تنبئ بالأسوأ منها، إذ تدفع بنا الى الحكم على المظاهر في كل شؤون حياتنا اليومية. أمّا عن هيمنة الثقافة الدينية على حياتنا، فهذا شأن آخر. قال عبد الحسين عبد الله:
بين العمائم واللحى/ إبليس يبحث عن جحا ¶
"النهار"



















