كثير من الخبراء وعلماء الاقتصاد توقعوا الأزمة المالية الحالية منذ سنوات مضت، منهم من توقعها داخل الولايات المتحدة فقط مثل البروفيسور الروسي إيجور بابارين المستشار الاقتصادي بوزارة الخارجية الروسية والذي ألقى محاضرة في مؤتمر الأمن الدولي في فيينا عام 1998 توقع فيها أن تواجه الولايات المتحدة الأميركية أزمة مالية حادة سيكون لها تأثير قوي على اقتصادها،.
وقال إن أسباب الأزمة هي تراكم الديون على الدولة بشكل كبير وفقدان الدولار لأصوله واستفحال نشاط أسواق المال والبورصات على حساب النشاط الإنتاجي، وحدد بابارين توقيتا للأزمة عام 2009، ولم يصدقه أحد آنذاك حيث كان الاقتصاد الأميركي في حالة ازدهار نسبي في أواخر التسعينات الماضية.
خبراء روس آخرون توقعوا ألأزمة منذ سنوات لكنهم توقعوها أزمة عالمية وليست فقط أميركية، ويعتبر الخبير الاقتصادي الروسي اندريه كوبياكوف واحدا من هؤلاء الخبراء القلائل الذين تكهنوا بوقوع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية منذ سنوات. واستندت تنبؤات هؤلاء الخبراء إلى تصور وضعه العالم الروسي نيكولاي كوندراتييف في العشرينات من القرن العشرين.
حيث يرى كوندراتييف إن النظام الرأسمالي يتأرجح بين الصعود والهبوط في كل مرحلة تدوم خمسين عاما. وكتب كوندراتييف في عام 1926 يتنبأ بأن العالم يسير إلى هبوط جديد وأن أزمة مالية حادة على وشك الحدوث. وسرعان ما واجه العالم باستثناء الاتحاد السوفيتي، حالة من الكساد الاقتصادي انطلقت من أميركا.
وعن أسباب الأزمة المالية والاقتصادية الحالية يقول الخبير الروسي كوبياكوف إن التطور السريع في تقنيات الاتصالات من الميكروإلكترونيات والكمبيوتر والإنترنت والهاتف المحمول شكلت قاطرة للاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة من الزمن، وجذبت هذه التقنيات اهتمام العالم كله وخاصة المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، وانهالت الاستثمارات على هذه القطاعات، بيد أن السوق لم يعد يطلب أعدادا هائلة جديدة من أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة بعد أن تشبع بها لدرجة كبيرة.
وتباطأت بالتالي وتيرة نمو الصناعة في بداية الألفية الثالثة، لكن تجارة تقنيات الاتصالات أدت إلى تراكم في رؤوس الأموال لدى أصحاب هذه الصناعة، ومع تباطؤ النمو الصناعي أصبحت رؤوس الأموال هذه شبه عاطلة ومتكدسة، الأمر الذي دفع أصحاب هذه الأموال للبحث عن منافذ لاستثمارها.
لكنهم اعتادوا على العائدات الكبيرة، لهذا لم يجدوا ما يلبي شهوتهم لهذه العائدات الكبيرة سوى أماكن لتوظيف الأموال خارج القطاع الصناعي الذي يحتاج لخطط وبرامج عمل طويلة الأجل، ووجد أصحاب رؤوس الأموال ضالتهم هذه في أسواق المال وهو مجال اقتصادي وهمي افتراضي في جانب كبير منه، ولا يقوم على أسس إنتاجية صحيحة، ولا بد من أن يتبدد الوهم طال الزمن أو قصر، وكانت هذه هي الكارثة بعد أن تحولت رؤوس الأموال وعائدات الصناعة إلى لعبة أشبه بالمقامرة، وهي لعبة الأوراق المالية والأسهم.
ويرى الخبير الروسي كوبياكوف أن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الحالية سوف تستمر إلى أن يتبخر ما هو وهمي افتراضي في أسواق المال وذلك عن طريق تخفيض قيمة الدولار الأميركي بشكل ملحوظ.، وهذا لن يتم بين يوم وليلة ولا في عام واحد بل سيحتاج نحو خمسة أو ستة أعوام، وهو المفترض أن يتم في الأعوام القليلة المقبلة.
ويسمي كوبياكوف استثمار الأموال في أسواق المال والأسهم والأوراق المالية الوهمية بالفقاقيع التي تبدو ضخمة في شكلها لكنها فارغة من الداخل، لأنها ليس لها صلة بأية أصول إنتاجية أو ثابتة على الأرض، ولا يمكن أن يدخل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من النهوض لمجرد أن يتحرر مما يسميه الخبراء بالفقاقيع المالية، بل يتطلب الأمر قاطرة جديدة تجر الاقتصاد العالمي إلى سكة التقدم ثانية، ولن تكون هذه القاطرة إلا صناعات جديدة تجذب رؤوس الأموال.
خبيرة اقتصاد روسية
jannamarat@km.ru
"البيان"




















