الياس حرفوش
يفضل علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الايراني، ان تلعب الولايات المتحدة مع بلاده الشطرنج، بدلاً من المصارعة، كما كانت الحال في ظل ادارة جورج بوش. كما يرفض استخدام سياسة العصا والجزرة، لأن من المهين، في نظره، استخدام هذه اللغة التي لا يعتبرها لغة مناسبة للتخاطب بين الدول.
لم يكن ممكناً ان يقدم مسؤول ايراني صورة افضل من التي عرضها لاريجاني امام مؤتمر الأمن الذي عقد في ميونيخ بألمانيا، لطبيعة العلاقة التي يريدها الايرانيون مع باراك اوباما. علاقة تقوم على وضع خريطة المنطقة على طاولة التفاوض، تماماً مثل رقعة الشطرنج، والجلوس حولها للاتفاق على مناطق النفوذ وتقاسم المصالح.
يترجم هذه الرغبة ما يردده الايرانيون، على كل المستويات، منذ انطلاق اشارات الغزل الخجول من جانب واشنطن في عهدها الجديد، من انهم لا يريدون سماع أقوال مختلفة فقط، بل يريدون افعالاً. أي ان عروض الحوافز التي قدمت لهم في الماضي لم تكن كافية لأنها ظلت غامضة، ولم تبلغ عملياً حد مراعاة مصالحهم في المنطقة والأخذ في الاعتبار مناطق النفوذ الجديدة التي استطاعوا السيطرة عليها، من لبنان الى فلسطين، مروراً بالعراق وبعض الخليج.
ومشكلة ادارة اوباما مع طهران ان العروض الاميركية لا تلاقي سوى مزيد من التشدد ورفض التنازل من الجانب الايراني، وخصوصاً في ما يتعلق بالملف النووي، وهو بيت القصيد في هذه المواجهة. ففي الوقت الذي يعرض اوباما يده الممدودة في مقابل ارخاء ايران قبضتها، وفي الوقت الذي يفترض ان يكون المناخ الحالي مؤهلاً اكثر مما كان مع اي ادارة اميركية سابقة، لاختبار فرص تحسن العلاقات بين الثورة الاسلامية في ايران و «ثورة» اوباما في واشنطن (كما قال وزير خارجية بريطانيا ديفيد ميليباند)، نجد ايران تصعّد من خلال إطلاق قمر اصطناعي الى الفضاء، اثار المخاوف من امكان تحميله رؤوساً نووية، وخطباً نارية تدعو اميركا الى الاعتذار عن «جرائمها» وسحب قواتها من مناطق النزاع حول العالم، والمقصود هنا تحديداً، من منطقة الخليج والعراق وافغانستان، حيث المغامرات الايرانية اكثر وضوحاً، والمصالح الاميركية اكثر عرضة للتهديد.
لا حاجة الى خبرة كبيرة في لعبة الشطرنج لاستنتاج ان الاحجار الايرانية هي الاكثر تقدماً على رقعة المنطقة حتى الآن، ليس فقط بفضل ذكاء اللاعب الايراني ومهارته، بل بسبب ضعف الطرف، او الاطراف، الجالسين في الجانب المقابل. وهو الوضع الذي تراهن ايران اليوم على انه سيستمر مع إدارة اوباما.
لكن هذا الرهان قد لا يكون في محله تماماً. فاذا كانت ادارة بوش قد خسرت في سياستها الايرانية بسبب الأخطاء التي ارتكبتها في المواقع الأخرى، وخصوصاً في العراق، مما ادى الى تردد الحلفاء في دعمها، فإن شعبية السياسة التي تتبعها الادارة الجديدة تؤشر الى ردود فعل مختلفة. فهذه الادارة لا تنطلق من موقف معاد بالمطلق لإيران، بل هي تدعوها الى تفهم الهواجس الدولية من برنامجها النووي، واتاحة الفرص امام علاقات جديدة معها من جانب واشنطن وحلفائها الغربيين، والا… ستكون واشنطن مضطرة للقيام بـ «عمل وقائي»، كما قال جوزف بايدن نائب اوباما في خطابه امام مؤتمر ميونيخ، وكسب موقفه دعماً من كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل، أي من نصف المجموعة السداسية التي تفاوض ايران على تجميد النووي مقابل الحوافز. واضاف بايدن في عرضه: امام ايران فرصة، فإما ان تواصل مسارها الحالي مما يعني استمرار الضغط والعزلة، او التخلي عن برنامجها النووي السري ودعم الارهاب مما يعني حوافز جديدة.
«هذه فرصة ذهبية لأميركا»، في رأي لاريجاني، لكن الارجح انها فرصة ذهبية لإيران كذلك، وربما قبل ذلك، للخروج من هذا المأزق بطريقة ديبلوماسية تستبعد الخيار العسكري، الذي لم يرفعه الاميركيون عن الطاولة، مثلما قد لا يستطيعون منع اسرائيل من اللجوء اليه، اذا استمرت المغامرة الايرانية على النحو الذي هي عليه الآن. فإذا كانت ادارة بوش قد سعت الى ذلك مع الاسرائيليين ونجحت، في وقت سابق من العام الماضي، فإن الارجح ان ادارة اوباما لن تحقق النتيجة ذاتها، خصوصاً اذا ثبت ان سياستها الجديدة حيال طهران لن تحقق النتائج التي ينتظرها المجتمع الدولي، أي وقف البرنامج النووي، او إتاحة المجال امام مراقبته بشفافية للتأكد من «سلميته» كما يؤكد الايرانيون.




















