الحياة – 09/02/09//
سألني السياسي اللبناني: كيف ترى الأوضاع؟ ارتبكت قليلاً فأنا أحب دور السائل أو المستمع. أجبت انني أعتقد بأننا في خضم معركة كبرى في الإقليم لا بد لفهمها من التوقف عند معاني إسقاط نظام صدام حسين وبعدها رسائل «حرب تموز» في لبنان وصولاً الى الحرب على غزة وانعكاساتها على الوضع الفلسطيني ومبادرة السلام العربية.
طالبني السياسي باستكمال الصورة. قلت إن باراك أوباما الذي سيعطي بالضرورة الأولوية للأزمة المالية العالمية سيواجه امتحاناً حقيقياً في أفغانستان. وأشرت الى اعتقادي بأن مصير معركة أفغانستان يتقرر عملياً في باكستان لأن أي انهيار غير متوقع في هذه الدولة النووية سيضع أوباما في مأزق كبير.
ابتسم السياسي. قال: أخشى أن يحولك طول الإقامة في الخارج الى مغترب. لاحظت في الآونة الأخيرة أن كتاباتك بعيدة من هموم اللبنانيين. كأنك تتفادى الإحراج فتهرب الى المواضيع الإقليمية والدولية. أنصحك بمتابعة نشرات الأخبار المحلية لتدلّك على الأولويات.
شعرت بالحرج لأن جوابي كان سهماً طائشاً. وبادرت الى سؤاله عن رؤيته للأوضاع. قال إن «أم المعارك» ستكون في منطقة المتن الشمالي. وان قرار نائب رئيس الوزراء السابق ميشال المر خوض الانتخابات النيابية المقبلة أطلق الشرارة. وان انتقاداته لحليفه السابق العماد ميشال عون تكشف الرغبة العميقة في الطلاق. وان الزواج العابر كان مليئاً بالشكوك وكشف مشكلة كيمياء وحسابات.
سألت عن غياب الودّ فأجاب: عون اعتقد دائماً بأن المر كان يجلس الى جانبه وقلبه مقيم في مكان آخر. يحب جنرالاً آخر يقيم حالياً في القصر. وعون يعتبر أي مقيم في القصر محتلاً له حتى ولو اضطر شخصياً الى المشاركة في انتخابه وتجرّع كأس السم. والمر يعتبر أن عون يريد أتباعاً لا حلفاء. وها هو يأكل أصابعه ندماً على الانتصار الذي وفره لعون يوم مكَّنه من خطف مقعد النائب الراحل بيار أمين الجميل.
وراح السياسي يجري حسابات دقيقة. الحضور التقليدي الواسع للمر في معقله. كتلة مؤيدي عون. أصوات الأرمن. الحضور التقليدي لآل الجميل. أصوات «القوات اللبنانية». الحضور القديم للحزب السوري القومي الاجتماعي. ستكون المعركة صعبة وشرسة.
قال السياسي إن عون أدرك باكراً أن الكتلة الوسطية أو كتلة المستقلين تسحب من رصيده. قيامها يتيح للرئيس ميشال سليمان إدارة اللعبة بين المعسكرين الكبيرين في لبنان. لمت نفسي على عدم إحاطتي بالتفاصيل.
سياسي آخر ذهب أبعد من ذلك. قال إن نتائج الانتخابات النيابية في حزيران (يونيو) المقبل ستحسم موقع لبنان: يكون في معسكر الممانعة أم في معسكر الاعتدال؟ ويكون مع خالد مشعل أم مع محمود عباس؟ مع المبادرة العربية للسلام أم مع خيار المقاومة المدعوم من دمشق وطهران؟
يغرق اللبنانيون في حديث الانتخابات. وفي تبادل الاتهامات. حديث مبكر عن الرشاوى. تعبيد طرق ومساعدات غذائية. وأموال اعتدال وأموال ممانعة. ومطابخ إشاعات وروايات لا أساس لها. ومحاولات لاستنفار كل أشكال العصبيات. ولولا التجارب لاعتقد الزائر بأننا أمام الانتخابات الأميركية. وان المعركة تدور في دولة كبرى تجوب أساطيلها البحار.
الانتخابات. الانتخابات. الانتخابات. تفرّغ اللبنانيون للحدث المقبل. استطلاعات للرأي وحسابات. لعاب المرشحين والجائعين والطامحين يكاد يغرق المشهد برمّته. تزاحم على الشاشات. وعلى أبواب الأقطاب. عدد المرشحين أو الطامحين هائل. ونسبة الثقلاء شديدة الارتفاع.
حاول السياسي الأول إقناعي بتمديد إقامتي لأتابع المعركة عن كثب. قال إن الأمور المحلية هي الأهم وهي الأساس. قال إنه يفضل ترك الاهتمام بباكستان لآخرين. هو تهمه معالم المعركة في كسروان (قضاء في جبل لبنان). وشعرت للمرة الأولى انني صرت مغترباً وغريباً.




















