أثار القرار الذي اتّخذته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بمنع بث شريط يدعو الى تقديم المساعدات لقطاع غزة، ضجةً كبيرةً في بريطانيا، وقد يصعب برأيي على الأشخاص الذين لا يعرفون بريطانيا وهيئة الإذاعة البريطانية جيدا، فهم ذلك. ففيما أُرحّب بالحيادية التي تتوخاها هيئة الإذاعة البريطانية وأثني عليها، أظنّ على غرار معظم الأشخاص، أنها ارتكبت خطأً في هذه المسألة. وأظن أن الـ «بي بي سي» فوجئَت بحجم وحدّة موجة الاحتجاج التي واجهتها. ويجب أن يبعث هذا النوع من الاحتجاج الطمأنينة في نفوس شعوب العالم العربي.
فقد رفضت الـ «بي بي سي» أن تبث نداء لجنة الطوارئ والكوارث الذي يدعو إلى «إغاثة السكان المنكوبين» في قطاع غزة. وتضمّ هذه اللجنة مؤسسات خيرية معروفة مثل الصليب الأحمر ومنظمة إنقاذ الطفولة ومنظمة الإغاثة الإسلامية ومنظمة «أوكسفام». وقد نقلت المحطات الإعلامية، ومن بينها الـ «بي بي سي»، أن 1360 شخصاً قتلوا في الحرب التي تعرض لها قطاع غزة المكتظ بالسكان، بينهم 400 طفل، كما جُرح 5300 شخص آخر وشُرّد خمسون ألفاً. ويجدر بنا القول إن الرأي العام البريطاني شعر بالذعر من هذا النزاع المجنون الذي لم يكن يجدر حصوله، ناهيك عن أنه دام ثلاثة أسابيع، ومن الدمار الشامل الذي لحق بالمنازل والمعاناة الإنسانية التي تسبب بها لمئات الآلاف من الأشخاص.
وفي معرض الدفاع عن الـ «بي بي سي» التي يأتي تمويلها من الضريبة التي يدفعها المشاهد البريطاني، رد مدير عام الهيئة مارك طومسون الذي واجه وضعا صعبا للغاية، بالقول:
«لا شك أن شريط النداء سيستخدم الصور نفسها التي نستخدمها في نشرات الأخبار المعروضة، لكنه سيستخدمها من أجل التشجيع على جمع التبرعات. وقد يُفسّر بثّ هذا النداء على أنه اتخاذ موقف سياسي إزاء حدث ما».
وأعلن البيان الرسمي الصادر عن الـ «بي بي سي» ما يلي:
«اتخذت الـ «بي بي سي» القرار بسبب التساؤلات حول وصول المساعدات إلى قطاع يعاني وضعاً متقلباً، وبغية منع الرأي العام من التشكيك بحياديتها إزاء أي حدث. وستستكمل الـ «بي بي سي» طبعاً تغطية المسألة الإنسانية في قطاع غزة».
وأعلن وزير الثقافة والإعلام أندرو بورنهام:
«يحبّ الجميع اتّهام الـ «بي بي سي» بالانحياز بطريقة أو بأخرى وهي تواجه دوماً انتقادات حادة. أنا مسرور لأنه سيتم بثّ هذا النداء. ولأن بعض المحطات قرر القيام بذلك فمن العدل أن تحدّد كل محطة خياراتها».
من جهته طالب وزير التنمية الدولية دايفيد ألكسندر الـ «بي بي سي» ببث النداء من أجل مساعدة قطاع غزة.
وصرّح رئيس أساقفة كانتربري الدكتور روان ويليامز بالقول: «أظن أنه يجدر بالـ «بي بي سي» أن تبث النداء».
وأضاف رئيس أساقفة يورك الدكتور جون سنتامو: «لا يتعلق الموضوع بمسألة الحيادية بل بمسألة الإنسانية».
إلى ذلك، وقّع عدد كبير من النواب على اقتراح برلماني يندّد بالقرار الذي اتخذته الـ «بي بي سي»، علماً أنه وُجهت 22 ألف شكوى ضدها. وتجمّع آلاف المحتجين في 24 كانون الثاني (يناير) الماضي أمام المقر الرئيسي لها في لندن مطالبين ببثّ النداء. وقد انتقد عدد كبير من افتتاحيات الصحف إدارة الهيئة.
لا شك أن الـ «بي بي سي» خشيت من عدم قدرة الجمعيات الخيرية على إيصال كل المساعدات إلى الأشخاص المحتاجين، كما تخوّفت من أن تتدخّل حركة «حماس» في عملية توزيع هذه المساعدات وأن تأخذ حصتها لأهداف خاصة. وينبغي على الجمعيات الخيرية أن تتنبّه لهذه المسألة بخاصة أنها تعرف أن تتعامل جيّدا مع المصاعب. وأُطلق نداء في العام 2004 لإغاثة ضحايا التسونامي لكن تخوّف البعض من أن تصل المساعدات إلى «نمور التاميل». وواجهت الجمعيات الخيرية مشاكل مماثلة في إطار الأزمة في دارفور. وقد سبق للـ «بي بي سي» أن دعمت في السنوات الماضية نداءات الاغاثة لضحايا الحرب في فيتنام.
بالطبع، أتساءل ما إذا تأثّرت الـ «بي بي سي» بالشكاوى المتكرّرة الصادرة عن مجموعة الضغط الموالية لإسرائيل التي تتهمها بالانحياز للفلسطينيين. وقد شاركت على مدى عشر سنوات في رئاسة مجلس إدارة المجلس العربي – البريطاني (كابو) واصطحبت الوفود إلى الـ «بي بي سي» لمناقشة مسائل مماثلة. والواقع أن مجموعة الضغط الموالية لإسرائيل هي أقوى من مجموعة الضغط الموالية لفلسطين ولطالما كانت على هذا النحو منذ سنوات.
ونحن نعرف أن بث نداء الإغاثة على شاشة الـ «بي بي سي» مهم بالنسبة إلى لجنة الطوارئ والكوارث، اذ يمنحها دقيقتين في وقت الذروة لبث النداء من دون مقابل. وفي هذه الحالة حظي قرار الـ «بي بي سي» بمنع بث النداء بتغطية واسعة في وسائل الإعلام مما ساهم في حصد مردود مالي جيد للمساعدات.
وتسعى 13 جمعية خيرية معروفة وكفوءة، تحظى بخبرة عملية في معظم أنحاء العالم، إلى تخفيف المعاناة في غزة، فحبّذا لو حظيت بالدعم الكامل من الـ «بي بي سي».
* سياسي بريطاني ونائب سابق
"الحياة"




















