نسبة مديونية البنوك الكندية تبلغ عادة 18 إلى 1، أما نسبة مديونية البنوك الأمريكية فهي 26 إلى 1
أقام مايكل كينسلي، المحرر الشهير لصحيفة نيو ريبابليك، مسابقة "العنوان الأكثر إثارة للضجر" ذات مرة، وقرر أن الفائز هو "مبادرة كندية مثيرة للاهتمام". بعد 22 عاما، أنقذت شركة إعلام كندية هذه الصحيفة من مشاكلها الاقتصادية، وهو أمر يجب أن يعلمنا نحن الأمريكيين أن نكون أكثر تواضعا. الآن تزداد الدلائل على حسنات كندا. احزروا ما هو البلد الوحيد بين بلدان العالم الصناعي، الذي لم يواجه إفلاس بنك واحد، ولم تتعال فيه المطالب بخطط الإنقاذ أو التدخل الحكومي في قطاع المال أو القروض السكنية؟
نعم، هذا البلد هو كندا. عام 2008، صنف المنتدى الاقتصادي العالمي النظام المصرفي الكندي على أنه الأكثر سلامة في العالم. واحتلت أمريكا المرتبة الـ40، وبريطانيا المرتبة الـ44.
كندا لم تتمكن فقط من تخطي هذه الأزمة المالية، بل إن البلد يزدهر في خضمها. فالبنوك الكندية غنية بالسيولة، وهي مهيأة للاستفادة من الفرص التي لا تستطيع البنوك الأمريكية والأوروبية اغتنامها. بنك تورونتو دومينيون مثلا كان في المرتبة الـ15 بين أكبر بنوك أمريكا الشمالية قبل عام. الآن أصبح في المرتبة الخامسة. لم ينم من حيث الحجم» بل إن حجم البنوك الأخرى قد تقلص.
إذن ما سبب نجاح الكنديين؟ الحس السليم. خلال السنوات الـ15 الماضية، فيما كانت الولايات المتحدة وأوروبا تخففان من القيود والقوانين المتعلقة بالقطاع المالي، رفض الكنديون مجاراتهم، لاعتقادهم أن القوانين القديمة ستخفف من حدة الصدمات. ونسبة مديونية البنوك الكندية تبلغ عادة 18 إلى 1، أما نسبة مديونية البنوك الأمريكية فهي 26 إلى 1، وهي تصل إلى مستوى مخيف في البنوك الأوروبية يبلغ 61 إلى 1. هذا يعكس جزئيا نفور الثقافة التجارية الكندية من المجازفات، لكنه ناتج أيضا عن القوانين المصرفية القديمة الطراز.
لم تتأثر كندا أيضا بأسوأ ظواهر هذه الأزمة لأن أسعار العقارات السكنية فيها لم تشهد تقلبات حادة كما في الولايات المتحدة. لقد انخفضت أسعار المنازل في الولايات المتحدة بنسبة 25 بالمائة، لكن نسبة انخفاضها في كندا كانت نصف ذلك. لماذا؟ لأن القوانين الضريبية الكندية لا تقدم تحفيزات كبيرة تؤدي إلى الإفراط في الاستهلاك كالتي تقدمها القوانين الأمريكية: فالفائدة المتوجبة على القروض السكنية لا تحسم من الضرائب في كندا. فضلا عن ذلك، فإن القروض السكنية في الولايات المتحدة لا توفر ملاذا للمقرض، مما يعني بكل بساطة أنه إذا أعلن المقترض إفلاسه، تقع المسؤولية بكاملها على عاتق البنك المقرض. في كندا، تبقى المسؤولية على عاتق المقترض. لكننا سمعنا السياسيين الأمريكيين يتحدثون بفصاحة عن الحاجة إلى هذه البرامج الباهظة الكلفة ـــ اقتطاع فائدة القرض من الضرائب وحده يكلف الحكومة الفيدرالية 100 مليار دولار سنويا ـــ لأنها تتيح للمواطن العادي تحقيق الحلم الأمريكي بامتلاك منزل. فـ 68 بالمائة من الأمريكيين يملكون منازل. ماذا عن نسبة الكنديين الذين يملكون منازل؟ إنها تبلغ 68.4 بالمائة.
لقد تحلت كندا بحس مسؤولية كبير خلال العقد الماضي. ونعمت بفائض في الميزانية طوال 12 عاما، وبإمكانها الآن إنفاق الأموال لتحفيز الاقتصاد من موقف قوي. لقد أعادت الحكومة هيكلة النظام الوطني للمعاشات التقاعدية، وجعلته في وضع مالي متين، على عكس نظام الضمان الاجتماعي المفلس لدينا. ونظام العناية الصحية فيها أدنى كلفة بكثير مما هو عليه في أمريكا (والأموال التي تتدفق عبره تشكل 9.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15.2 بالمائة هنا)، ومع ذلك، فهو أفضل حالا بحسب كل المعايير. إن متوسط العمر في كندا يبلغ 81 عاما، مقارنة بـ78 عاما في الولايات المتحدة» و"متوسط العمر بصحة جيدة" هو 72 عاما، مقابل 69 عاما. لقد نقلت شركات تصنيع السيارات الأمريكية الكثير من إنتاجها إلى كندا للاستفادة من تدني تكاليف العناية الصحية لدرجة أنه منذ عام 2004، أصبحت أونتاريو وليس ميشغان المنطقة الأهم في مجال تصنيع السيارات في أمريكا الشمالية.
الأمثلة التي يمكنني أن أسردها كثيرة. فالولايات المتحدة تعاني الآن نظام هجرة غير منطقي. نحن نقدم عددا صغيرا من تأشيرات العمل ورخص الإقامة، رافضين استقبال آلاف الطلاب الموهوبين الذين يريدون البقاء والعمل هنا. كندا في المقابل ليس لديها حد أقصى لعدد المهاجرين المهرة الذين يمكن استقبالهم في البلد. باستطاعتهم تقديم طلبات بأنفسهم للحصول على تأشيرة عامل ماهر، مما يتيح لهم أن يصبحوا "مقيمين دائمين" بشكل شرعي في كندا» لا حاجة إلى كفالة من رب عمل، أو الحصول على وظيفة قبل تقديم الطلب. فالتأشيرات تمنح استنادا إلى المستوى التعليمي والخبرة المهنية والسن والقدرات اللغوية. إذا حصل المتقدم بطلب هجرة على 67 نقطة من أصل 100 (شهادة الدكتوراه تساوي 25 نقطة مثلا)، يمكنه أن يصبح مقيما دائما وشرعيا في كندا.
وقد تنبهت المؤسسات التجارية لهذا الواقع. عام 2007، قررت شركة "مايكروسوفت" إنشاء مركز أبحاث في فانكوفر بسبب إحباطها من عدم قدرتها على توظيف طلاب أجانب حاصلين على شهادات جامعية عليا في الولايات المتحدة. إعلان الشركة عن هذه الخطوة أشار إلى أن الموظفين في المركز سيكونون من "ذوي المهارات العالية الذين تأثروا بقوانين الهجرة في الولايات المتحدة". وبالتالي فإن أذكى مهندسي البرمجيات الصينيين والهنود يأتون إلى الولايات المتحدة ويدرسون في الجامعات الأمريكية، ثم يطردون من البلد ويتم توظيفهم في كندا، حيث يعمل معظمهم ويبتكرون ويدفعون الضرائب لبقية حياتهم.
إذا كان الرئيس أوباما يبحث عن سبل لجعل حكومته أكثر ذكاء، فهناك الكثير مما يمكنه ويمكننا جميعا أن نتعلمه من جارتنا الهادئة ــ والمضجرة أحيانا ــ في الشمال. في غضون ذلك، تطالب كندا في المجالس المالية العالمية باعتماد قوانين جديدة متعلقة بالمؤسسات المالية تعكس مقاربتها. يخيل لي أن هذه مبادرة كندية جديرة بالاهتمام.
تاريخ النشر: الثلاثاء 17/2/2009
"نيوزويك"




















