كانت المقابلة قد شارفت على نهايتها. على قناة فوكس نيوز ليلة الأربعاء الماضي، كان شون هانيتي على وشك الانتهاء من مقابلة مع مايك بينس، عضو الكونغرس من ولاية إنديانا، وهو زعيم أقلية الحزب الجمهوري في مجلس النواب ومعارض شديد للخطة التحفيزية التي تقدم بها الرئيس أوباما والتي ستبلغ كلفتها تريليون دولار. وقد سأل من دون أن يتوقع جوابا: "كيف يمكن لـ50 مليون دولار ممنوحة للصندوق الوطني للفنون أن تعيد الوظائف إلى الناس في إنديانا؟ كيف ستساهم 20 مليون دولار مخصصة لإزالة "العوائق أمام الأسماك" (وهو تمويل يهدف إلى إزالة العوائق في الأنهار ومجاري المياه كي تتمكن الأسماك من التنقل بحرية) في استحداث الوظائف؟ وقد وافقه هانيتي الرأي قائلا في ختام الحلقة: "إنه … قانون الاشتراكية الأوروبية لعام 2009. نحن نعتمد عليك لمنع إقراره. شكرا حضرة عضو الكونغرس".
ها هي كلمة الاشتراكية تلفظ قبل الإعلانات مباشرة: وهي المفضلة لدى المحافظين منذ أن بدأ جون ماكين باستعمالها خلال الحملة الانتخابية الرئاسية. (هل تتذكرون جو السمكري؟ لسوء الحظ نحن نتذكره أيضا). لكن الغريب في الأمر أنها بعيدة كل البعد عن الموضوع الأساسي. فالحكومة الأمريكية ـــ في ظل إدارة جمهورية محافظة ـــ كانت قد أممت قطاعي البنوك والقروض السكنية. هذا أكثر شبها بالسياسات الاشتراكية من تخصيص 50 مليون دولار للفنون. سواء شئنا الاعتراف بذلك أو لا، والكثيرون، لاسيما عضو الكونغرس بينس ومقدم البرامج هانيتي، لا يقرون بذلك، فإن أمريكا عام 2009 تتحول إلى دولة أوروبية عصرية.
لانزال بلدا يمينيا معتدلا من نواح كثيرة، لاسيما ثقافيا، وحالما تنتهي الأزمة، ستدفعنا غرائزنا إلى محاولة العودة إلى رأسمالية الأسواق الحرة، لكن في ظل إدارة جمهورية محافظة أخرى، قمنا أيضا بتوسيع نظام الرعاية الاجتماعية بشكل غير مسبوق منذ 30 عاما، مقدمين الأدوية، التي لا يمكن شراؤها إلا بوصفة طبية، للمسنين. والناس من مختلف التوجهات اليمينية واليسارية يريدون أن تستثمر الحكومة في مصادر الطاقة البديلة كي نتمكن من تخطي إدماننا على النفط الأجنبي. وحتى الولايات ذات الغالبية الجمهورية من غير المرجح أن ترفض الحصول على أموال فيدرالية لتحسين بنيتها التحتية.
إذا لم نعترف بالدور المتنامي الذي تلعبه الحكومة في الاقتصاد، وأصررنا بدلا من ذلك على شن حروب القرن الـ21 بعبارات وتكتيكات تعود إلى القرن الـ20، فسنحتم على أنفسنا الخوض في جدال مثير للانقسامات وغير بناء. وكلما أسرعنا في فهم موقعنا الحقيقي، سنتمكن من التوصل إلى طرق أفضل للاستفادة من الحكومة في عالمنا اليوم.
في الوقت الذي تسعى فيه إدارة أوباما لإقرار أكبر قانون مالي في التاريخ الأمريكي، وتضع حدا أقصى يصل إلى 500000 دولار لأجور المديرين في المؤسسات التي تتلقى مساعدات فيدرالية، وتطلق خطة جديدة لإنقاذ القطاع المصرفي، ارتفعت نسبة البطالة إلى أعلى مستوى لها منذ 16 عاما. وانخفض مؤشر داو جونز إلى المستويات التي كان عليها عام 1998، وازداد عدد عمليات حبس الرهن العام الماضي بنسبة 81 بالمائة.
كل هذا يحصل في اقتصاد لم يعد يمكن فهم ما يحركه، حتى من دون التعمق في التفاصيل، فيما يتواجه دعاة الإنفاق الحكومي ومؤيدو عدم التدخل الحكومي. سواء شئنا أم أبينا ــ وحتى بغض النظر عما إذا كان الكثير من الناس أمعنوا التفكير في الموضوع أو لا ــ فإن الأرقام تشير بوضوح إلى أننا نتجه نحو اعتماد مقاربة أكثر أوروبية. قبل عقد، كانت نسبة الإنفاق الحكومي في الولايات المتحدة تبلغ 34.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ48.2 بالمائة في الاتحاد الأوروبي، أي بفارق 14 نقطة تقريبا، بحسب منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. عام 2010، من المتوقع أن يصل الإنفاق الحكومي في الولايات المتحدة إلى 39.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ47.1 بالمائة، وهو فارق لا يتعدى ثماني نقاط. سنصبح أكثر شبها بالفرنسيين، مع ارتفاع الإنفاق المخصص للبرامج الاجتماعية خـلال العقـد المقبـل.
هذا لا يعني أن قبعات البيريه ستصبح رائجة هذا الربيع، أو أن أوباما وعد بتقديم الكرواسان لكل من يشتري محمصة وسخانة كهربائية. لكن الواقع بكل بساطة هو أن التوجهات السياسية، التي تتغير من حين إلى آخر، قد تغيرت من جديد، وفي المستقبل المنظور سيكون الأمريكيون منشغلين بالبحث عن أفضل السبل لإدارة اقتصاد مختلط، أكثر من انشغالهم بالتساؤل عما إذا كان يجب أن يكون اقتصادنا مختلطا.
من هو مهندس هذه الحقبة الجديدة من التدخل الحكومي؟ يبدو أن للتاريخ حسا فكاهيا، لأن الرجل الذي أرسى أسس العالم الذي يديره أوباما اليوم هو جورج بوش الابن، الذي قرر إنقاذ القطاع المالي في الخريف الماضي بخطة تبلغ كلفتها 700 مليار دولار.
لقد وضع بوش حدا لعصر ريغان» والآن يخطو أوباما خطوة أكبر، عاكسا توجه بيل كلنتون لوضع حد للتدخل الحكومي. القصة معقدة كالعادة. فاستطلاعات الرأي تظهر أن الأمريكيين لا يثقون بالحكومة ولا يحبذون التدخل الحكومي. لكنهم يقبلون بما تقدمه الحكومة، مثل العناية الصحية والأمن القومي، وسبل الحماية من انهيار قطاعي البنوك والعقارات السكنية الآن. خلال العقود الثلاثة منذ أن جعل ريغان من التدخل الحكومي عدوا وأصبحت كلمة "ليبرالي" صفة حميدة، لم يتقلص حجم الحكومة، بل ازداد. لكن الاقتصاد نما بالسرعة نفسها، لذلك لم تتغير نسبة الإنفاق الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي. معظم هذا النمو الاقتصادي كان حقيقيا، لكن خلال السنوات الخمس الماضية، أصبح يشبه بشكل مريب صندوق بيرني مادوف الاستثماري. لقد كان الأمريكيون يعيشون برفاهية مقترضين الأموال (نسبة الادخار انخفضت من 7.6 بالمائة عام 1992 إلى أقل من الصفر عام 2005) فيما كان علماء الاقتصاد يبنون قصورا في الهواء.
الآن حانت ساعة الحساب. قد يكمن الحل في المزيد من التدخل الحكومي. على المدى القصير، سيتوجب على الحكومة أن تحفز الاقتصاد، بما أن المستهلكين والمؤسسات التجارية لن يقوموا بذلك. وعلى المدى الطويل، فإن تقدم السكان في السن والاحتباس الحراري وارتفاع كلفة الطاقة سيحتم فرض المزيد من الضرائب والمزيد من الإنفاق الحكومي. المعضلة هي أن المزيد من التدخل الحكومي في الاقتصاد سيؤدي بشكل شبه مؤكد إلى تقويض النمو (كما حدث في أوروبا، حيث تسبب توسع دور الحكومة في توفير الرفاهية الاجتماعية بارتفاع مزمن لمعدل البطالة). فلطالما كان النمو من مقومات أمريكا المنقذة.
إن إدارة أوباما عالقة في دوامة. عليها أن تقترض وتنفق لوضع حد لأزمة متأتية من الإفراط في الاقتراض والإنفاق. وسيتعين على الرئيس، بعدما دعم الاقتصاد بأموال الخطة التحفيزية، أن يخفف الإنفاق على البرامج الاجتماعية من خلال الحد من تكاليف العناية الصحية والتقاعد فيما يستمر في الاستثمار في وسائل قد تحفز النمو على المدى الطويل. أوباما يتحدث عن الحاجة إلى حكومة ذكية. ولإقامة توازن بين النموذجين الأمريكي والفرنسي، سيتوجب على الرئيس الجديد أن يكون شديد الذكاء.
ازدهارات
وانهيارات
تاريخ الولايات المتحدة الممتلىء بالإسراف المالي والقيود الحكومية
1791
فيرست بانك
تم تأسيس فيرست بانك، وهو البنك الأول في الولايات المتحدة، بموجب مرسوم حكومي بعدما دعا وزير الخزانة ألكساندر هاملتون إلى إنشاء نظام مصرفي مركزي. وتم تمويل الودائع من خلال بيع أسهم بقيمة 10 ملايين دولار.
1833
سيكند بانك
تم تأسيسه بموجب مرسوم حكومي لتمويل ديون البلد بعد حرب عام 1812. عام 1833، سحب أندرو جاكسون الودائع الفيدرالية، مفلسا البنك قبل انتهاء مدة العمل بالمرسوم عام 1836.
1837
هلع في الأسواق
أول ركود شهدته البلاد تسببت به المضاربة المتفشية في أسعار الأراضي وإفلاس سيكند بانك. وقد أدى إلى سبع سنوات من معدلات البطالة العالية وانهيار نحو نصف بنوك البلد البالغ عددها 850.
سبعينات إلى تسعينات القرن الـ19
إعادة البناء
توسعت شبكة السكك الحديدية الجنوبية من 11 ألف ميل عام 1870 إلى 29 ألف ميل عام 1890. وفرضت الضرائب على مالكي الأراضي في الولايات الجنوبية لتمويل تطوير البنى التحتية.
تسعينات القرن الـ19
فترة الهلع الأولى
فترة الهلع عام 1893 أعقبت انهيار قطاع السكك الحديدية. وأدى الإفراط في التوسع إلى إفلاس شركات السكك الحديدية. وانهار أكثر من 500 بنك. وكانت نهاية العصر الذهبي.
تسعينات القرن الـ19
الأقطاب
كارنيغي، ومورغان، وروكفلر، وفاندربيلت. أدى الازدهار الصناعي في قطاعات الفولاذ وإنتاج النفط والشحن إلى النمو وإلى جني حفنة من الرجال ثروات طائلة. وولدت المؤسسات التجارية العصرية.
1907
فترة الهلع الثانية
خسرت بورصة نيويورك نصف قيمتها وأفلست آلاف المؤسسات التجارية خلال فترة الهلع الذي أصاب الأسواق عام 1907، واستثمر جيه بيه مورغان أمواله الخاصة لمنع التهافت على البنوك في نيويورك. ووافق الرئيس تيدي روزفلت على منحه 25 مليون دولار ليلعب دور البنك المركزي.
1911
منع الاحتكار
أعلنت المحكمة العليا الأمريكية، استنادا إلى قانون شيرمان لمنع الاحتكار، أن شركة "ستاندرد أويل" تحتكر السوق بشكل "غير مقبول". وعام 1914، تم تأسيس لجنة التجارة الفيدرالية.
1929
الانهيار
انتهت حقبة الازدهار التي شهدتها عشرينات القرن الماضي في أكتوبر 1929 عندما خسرت بورصة نيويورك 30 مليار دولار من قيمتها في غضون خمسة أيام، مما أدى إلى الركود الكبير الذي دام عقدا من الزمن، وانتهى مع بداية الحرب العالمية الثانية.
1933 ــ 1936
الخطة الاقتصادية الجديدة
أدت خطة الرئيس فرانكلين روزفلت الاقتصادية الجديدة إلى سلسلة من مشاريع النهوض الاقتصادي والإصلاح بما فيها "إدارة تطوير المشاريع" التي أدت إلى استحداث ثمانية ملايين وظيفة. وتم إنشاء إدارة الضمان الاجتماعي، وكذلك بنك فاني ماي، والمؤسسة الفيدرالية لضمان الودائع، ولجنة مراقبة أعمال البورصة.
1964
الازدهار في ستينات القرن الماضي
ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10 بالمائة في العام الذي تلا التخفيضات الضريبية عام 1964. ومن عام 1961 إلى عام 1968، بلغ معدل النمو الاقتصادي 4.5 بالمائة. عام 1966 وحده، ازداد المدخول الفردي بنسبة 15 بالمائة. كما أن مشروع "المجتمع العظيم" الذي أطلقه الرئيس ليندن جونسون أوصل الأموال إلى المحتاجين.
1973 ــ 1974
أزمة النفط
خفضت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) إنتاج النفط. من عام 1973 إلى عام 1974، ارتفع سعر برميل النفط من ثلاثة دولارات إلى 12 دولارا، في حين أن مؤشر داو جونز انخفض بنسبة 45 بالمائة. وأعقبت ذلك سنوات من الركود المصحوب بتضخم.
1981
نظرية التساقط
بين عامي 1981 و1986، خفض رونالد ريغان الضرائب على الشريحة الأغنى من الناس بنسبة 60 بالمائة، مطلقا اقتصاد العرض الذي من المفترض أن تنتشر منافعه من أعلى الهرم الاقتصادي إلى أسفله. وبدأت إزالة القيود التنظيمية، لاسيما في قطاع الخدمات المالية. وارتفعت وتيرة عمليات الدمج بين الشركات وشراء الشركات، وكانت ممولة بشكل عام بواسطة السندات الرخيصة.
1987
الاثنين الأسود
انهار مؤشر داو جونز 508 نقاط في 19 أكتوبر عام 1987، وخسر 22 بالمائة من قيمته في يوم واحد. بعد شهرين، بدأ عرض فيلم Wall Street للمخرج أوليفر ستون في صالات السينما. هل الجشع أمر جيد؟
1989
فضيحة بنوك الادخار والإقراض الصغيرة
عندما انهارت السوق، تداعت معها البنوك الصغيرة المختصة بالادخار والإقراض. وبحلول أوائل تسعينات القرن الماضي، أفلس 747 بنكا صغيرا، وبلغت كلفة هذه الإفلاسات 160 مليار دولار. بعد انهيار بنك لنكولن سيفينغز الذي يملكه تشارلز كيتنيغ، تمت إدانته بتهمة الاحتيال عام 1990.
1988
قراءة الشفاه
في المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري عام 1988، قال جورج بوش الأب: "اقرأوا شفتي، لن تفرض ضرائب جديدة". ظن بوش أن النمو الذي شهدته البلاد في ثمانينات القرن الماضي سيستمر، لكن بعد دخول البلد فترة من الركود، قام برفع الضرائب عام 1992 للحد من عجز الميزانية.
2001
انهيار "إنرون"
في ديسمبر 2001، أعلنت شركة إنرون العملاقة المختصة بالطاقة والواقعة في مدينة هيوستن إفلاسها، وكان هذا أكبر إفلاس في التاريخ الأمريكي آنذاك، مما أدى إلى خسارة السوق 60 مليار دولار من قيمتها وخسارة صناديق التقاعد ملياري دولار من قيمتها.
2000 ــ 2002
انهيار شركات التكنولوجيا
في 10 مارس عام 2000، وصل مؤشر نازداك إلى أعلى مستوياته، وبلغ 5048 نقطة. لكن خلال العامين والنصف التاليين، انهارت سوق شركات التكنولوجيا، مخفضة قيمة هذه الشركات بأكثر من خمسة تريليونات دولار.
2001
تخفيضات بوش الضريبية
في يونيو عام 2001، بدأ جورج دبليو بوش بتطبيق برنامجه لتخفيض الضرائب، مجادلا بأن فائض الميزانية الذي ورثه والبالغ 128 مليار دولار هو ملك للشعب وليس للحكومة. وقد وصل العجز إلى 455 مليار دولار عند نهاية ولايته.
15 سبتمبر 2008
انهيار شركة "ليمان براذرز"
أعلنت شركة ليمان براذرز إفلاسها بعدما بلغت ديونها 600 مليار دولار. في ذلك اليوم، انهار مؤشر داو جونز 504 نقاط، وهي أكبر خسارة يومية منذ الأيام التي تلت هجمات 11 سبتمبر.
2008
أيام عصيبة
خلال الأسبوع الثاني من أكتوبر، انخفض مؤشر داو جونز بنسبة 18 بالمائة. بعد تأميم بنكي فاني ماي وفريدي ماك في سبتمبر، أعلن وزير الخزانة هانك بولسون عن خطة إنقاذ بقيمة 700 مليار دولار. في ديسمبر، حصلت شركات تصنيع السيارات على 17.4 مليار دولار.
2009
الهوس بأوباما
تولى باراك أوباما الحكم واقترح إنفاق 800 مليار دولار لاستحداث الوظائف وإنهاء الركود. وسعى إلى وضع حد أقصى يصل إلى 500000 دولار لرواتب مديري البنوك التي تحصل على أموال حكومية.
تاريخ النشر: الثلاثاء 17/2/2009
"نيوزويك"




















