الانتخابات الاسرائيلية خيضت أمس، للمرة الاولى منذ ما بعد "كمب ديفيد"، من دون برنامج سلام.
القوى الأربع، التي كانت مرشحة للفوز بالمراتب الأولى، خاضت المعركة بالاستناد الى برامج مواجهة.
حزب "العمل"، المعني تقليدياً بتحديد سقف ما يمكن ان يتقبله المجتمع الاسرائيلي من "تنازلات" للسلام، خاض المعركة بزعامة إيهود باراك باعتباره الرجل ذا القبضة الحديد.
قبل الانتخابات أثبت في غزة ما يعنيه ذلك، وبعد الانتخابات يبدو القاسم المشترك بين كل الصيغ لتولي وزارة الدفاع. والمهمة معروفة: جنوباً أو شمالاً أو شرقاً.
لم يكلف حزب العمل نفسه عناء البحث عن مخارج للشريك الفلسطيني، طالما أن المطلوب أولاً تصفية الحساب مع الجار الفلسطيني الآخر المزعج.
"كاديما" الذي كان ابتكاراً شارونياً لجرّ حزب "الليكود" الى حلّ الأمر الواقع طالما أن التسوية مستبعدة لعدم وجود شريك فلسطيني قادر على ابتلاع المعروض عليه، "كاديما" ضاع في الوسط، بين ما يطرحه إيهود أولمرت وما تطرحه تسيبي ليفني.
من الناحية اللفظية كان مدهشاً التطور الذي حصل لدى أولمرت في السنة الأخيرة من حكمه، لكنه كان مشوباً بشائبتين: كان ازدياد برنامجه للتسوية وضوحاً على علاقة وثيقة بفقدانه التدريجي للوزن السياسي، ولم تمنعه اقتناعاته السلمية من خوض أكثر الحروب دموية ضد… المدنيين.
في المقابل، كان همّ ليفني في الانتخابات ان تبدو أنها قادرة على قيادة اسرائيل في الحرب، لا الى السلام، لذلك اغلقت كل النوافذ التي كان فتحها أولمرت، ولو نظرياً، ولم يبق من تنازلاتها سوى الإشارة الى أنها الأقدر على التفاهم مع الأميركيين مع ما يمكن أن يحملوه من أفكار ضاغطة على اسرائيل على طريق… "خريطة الطريق".
وحده اليمين، كعادته، كان واضحاً. فـ"الليكود" لم يكن بحاجة الى التشديد كثيراً على جانب استخدام القوة بالعلاقة مع الفلسطينيين والاعداء المحتملين، مكتفياً بالقول إن الجيش الاسرائيلي كان ينبغي ان يكمل المهمة في غزة، وكذلك حيث يضطر للمواجهة.
في المقابل كانت توجهاته السلمية أشد وضوحاً وبساطة: السلم "الاقتصادي" للفلسطينيين، والسلم مقابل السلم للسوريين، والحل الجذري للملف النووي الايراني.
المنافس الوحيد لنتنياهو كان أفيغدور ليبرمان الذي طرح صيغة جديدة لليمين، ليست هي العودة الى اسرائيل الكبرى التي تفترضها ضمناً صيغة نتنياهو، وانما الحل الديموغرافي – الجغرافي، الذي يضع نصب عينيه اسرائيل يهودية الى أقصى حدّ ممكن، وذلك بوضع آلية "عملية" للترانسفير، بالخلاص من السكان العرب وأرضهم ولو كانت في اسرائيل، مقابل ضم المستوطنين وأرضهم في الضفة الغربية. وهو شعار عملي جذّاب للاسرائيليين الذين أوصلوا فكرة شارون الأولى، بالانفصال عن غزة، الى مداها الأخير.
بهذا المعنى هناك تباين داخل اليمين في النظرة الى تفاوت أهمية العاملين الديموغرافي والجغرافي. لكنه تباين يبدو "مثمراً" وواعداً في الحياة السياسية الاسرائيلية المتجهة يميناً، في مقابل العقم الذي اصاب الوسط (كاديما) وحزب العمل، والمتمثل بكل الاتفاقات المتوالدة من بعضها البعض، والتي تزداد تشابكاً منذ اتفاق أوسلو الأولى.
العامل الوحيد الذي يستطيع ان يتفاعل مع هذه التوجهات الداخلية الاسرائيلية هو ما ستحمله الادارة الأميركية من مشاريع باعتبارها حصيلة ضغوط الخارج على اسرائيل، بعد أن تمر طبعاً بالسياسة الأميركية.
وعلى هذا الصعيد يبدو مدهشاً كم باستطاعة السياسة الخارجية الأميركية أن تتكيف مع رغبة الناخب الاسرائيلي بخلاف الفترة المحدودة التي بدا فيها أن للولايات المتحدة مرشحاً في الانتخابات العامة الاسرائيلية، وهي فترة التنافس الحاد بين "الليكود" و"العمل" منذ منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي.
اليوم يبدو البيت الأبيض مستعداً لاستقبال الفائز والبناء على استراتيجية التعديلات التي تسهّل للحليف الأميركي علاقاته العربية، والشرق الأوسطية، خصوصاً بالنسبة لادارة ما زالت تبحث عن الرؤية الشاملة للمنطقة. وكأن مثل هذه الرؤية تتحدد بعد استطلاع مواقف الأطراف المعنيين، وعلى رأسهم اسرائيل.
محمد إبرهيم




















