نصير الأسعد
لا جدال في أن ديموقراطية الإنتخابات، لا سيما الجانب المتعلق بنزاهة نتائجها، مسألة متصلة إتصالاً وثيقاً بأمن العملية الإنتخابية، قبل يوم حصولها وفي يوم حصولها على حد سواء. والحال أنه لا يمضي يوم إلا ويصدر تعبير ما عن مخاوف حيال أمن الإنتخابات.
فريق مسلح ويستخدم السلاح
ومن الطبيعي القول في هذا المجال إن للمخاوف ـ أو الخوف ـ أسباباً رئيسية.
السبب الأول هو أن ثمة فريقاً مسلّحاً بل مدجّجاً بالسلاح، وقد سبق له أن إستخدم سلاحه في الداخل ولم يقل إلى اليوم قولاً واحداً يفيد أنه "نادم" على هذا "الإرتكاب" الخطير.
والسبب الثاني هو أن الفريق المسلح نفسه ـ ومعه حلفاء ـ ولأنه يعرف أن ليس في وسعه، خاصة بعد تطورات غير ملائمة له، الحصول على أكثرية نيابية، قد يعمد إلى إستخدام السلاح مجدداً.
تغيير الأكثرية.. بالقوة
والسببُ الثالث هو أن الإنتخابات مسبوقة على إمتداد الأسابيع الماضية بأعمال ترهيبية مسلحة متنقلة بين عدد من المناطق.
والسببُ الرابع هو أن النظام السوري لم يخفِ في يوم من الأيام تطلّعه إلى تغيير الأكثرية في لبنان بـ"أي وسيلة"، وقد مارس في السنوات الماضية "خطة" مكشوفة لإنقاص الأكثرية "جسدياً"، وهو يملك شبكات إرهابية قام بتشغيلها ويستطيع أن يشغّلها في وقت "الحشرة".
الولاء للدولة.. معيارٌ غير سائد
والسبب الخامس هو أن إعادة بناء الدولة أو بالأحرى عملية بناء دولة ما بعد الوصاية، دولة الإستقلال اللبناني الثاني لم تتم بحيث يكون ثمة إطمئنان إلى أن مقياس الولاء للدولة والنظام السياسي هو وحده السائد في كل المؤسسات والمجالات. أي أن "ولاءات" أخرى "تزاحم" الولاء للدولة بل وتتقدم عليه في غير مكان وفي غير مناسبة.
أما السبب السادس، وهو "عمليّ" إلى حد كبير، فهو أن الإنتخابات النيابية تجري هذه المرة دفعة واحدة في كل لبنان. وإذا كان مما لا شك فيه أن حصول الإنتخابات في يوم واحد في كل لبنان يعد إنجازاً إصلاحياً في حد ذاته، فإنه في المقابل "تحدّ" لقدرة الدولة على "الإحاطة" بكل اللوازم والمقتضيات، في ظرفٍ سياسي ـ وطني استثنائي.
سليمان والإنتخابات
بإزاء هذه المخاوف "الطبيعية" والتي يعبّر عنها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في الآونة الأخيرة بـ"دعائه" أن تمرّ الإنتخابات "سليمة" و"حضارية"، أعطى رئيس الجمهورية ميشال سليمان إشارات طمأنة مؤخراً.
ففي كلمته في وزارة الدفاع التي زارها الجمعة الماضي، دعا الرئيس سليمان الجيش والقوى الأمنية إلى أن يثبتوا "مصداقيتهم الكاملة" خلال الإنتخابات، مشيراً إلى أهمية إبتعاد الجيش عن التعاطي السياسي وإلى ضرورة التصرف بشكل مدروس للغاية، معتبراً أن "الأمن أساسي للإنتخابات ويجب إشعار المواطنين بأنكم لا تتعاطون فيها".
.. يأخذ الأمن في "صدره"
إن ما تعنيه كلمات رئيس الجمهورية واضح تماماً. إنه "يأخذ في صدره" أمن الإنتخابات ويعطي توجيهاته إلى الجيش والقوى الأمنية بـ"الحياد، تحقيقاً لأمن الإنتخابات ونزاهتها. وإذا كان طبيعياً إعتبار أن الرئيس يستند إلى تقويم لديه لحال الجيش والقوى الأمنية مما يسمح له بأن يأخذ أمن الإنتخابات "في صدره"، وأنه يستند إلى ثقة لم يتردد في تأكيدها بوزيرَي الدفاع والداخلية، فليس طبيعياً ـ في المقابل ـ التقليل من العبء الذي وضعه سليمان على عاتقه وعاتق معاونيه في معرض "تعهده" بأمن الإنتخابات المقبلة. ذلك أنه بهذا "التعهد" يحمّل نفسه ومعاونيه مسؤولية سياسية عن إنتخابات يعتبرها الجميع "مصيرية" وسيحدد الجميع مواقفه ـ بما في ذلك من الرئيس ـ إنطلاقاً من الإنتخابات.
إن أمن الإنتخابات، في الظروف اللبنانية القائمة، يمثّل عبئاً ثقيلاً جداً، فكيف وهذه الإنتخابات تجري في يوم واحد؟.
متطلبات إنتخابات في يوم واحد
وأمن الإنتخابات يتعلق بحركة المرور وتنظيمها في يوم الإنتخابات. وبالإزدحامات. وبـ"حركة" الحواجز العسكرية ومنع نقل الأسلحة. وبالدوريات داخل الأقضية. وبالأمن خارج أقلام الاقتراع وداخلها. وبمكافحة الترهيب. وبأمان موظفي الأقلام ولجان الفرز. وبسلامة النتائج.
بكلام آخر، إذا كان من شأن كلام رئيس الجمهورية أن يولّد نسبة من الإطمئنان، فإن الأمر لا يُعفي من المطالبة بـ"خطة أمنية" متكاملة تضعها وزارتا الداخلية والدفاع وتشركان في إطارها الفاعليات الأمنية المختلفة، بل ربما تتكوَن لها مرجعيات ميدانية "خاصة" بيوم الإنتخابات، وتطلع عليها القوى السياسية وتطمئن اليها.
الورشة
لا مبالغة في القول إن للمخاوف "تربة" أخصب في يوم إنتخابي واحد في مثل الظروف السياسة التي يشهدها لبنان. وليس منطقياً أن يأخذ رئيس الجمهورية هذه المهمة على عاتقه وحده، أو أن يُعامل بوصفه الضامن الوحيد لأمن الإنتخابات.. وذلك خشية من أن يجري تحميله تبعات أي خلل للإساءة إلى المرحلة التالية ـ الفعلية ـ من ولايته الرئاسية.
ثمة ورشة لأمن الانتخابات لا بد من قيامها منذ الآن. من الوزير إلى شرطي المرور إلى الإطفائي مروراً بالنيابات العامة والقضاء العسكري وقادة الألوية والوحدات.. والمخاتير ولجان القيد والفرز. إنها إنتخابات إستثنائية ويلزمها أمن إستثنائي. ولا شيء يستحيل!.




















