عبدالله اسكندر
يمكن اعتبار الخطاب الذي ألقاه امس الرئيس محمود احمدي نجاد، في اختتام احتفالات الذكرى الثلاثين للثورة الايرانية، بمثابة عرض لحصيلة السنوات الاربع لرئاسته التي يسعى الى تجديدها في حزيران (يونيو) المقبل. اذ قال «ان شبح تهديد ايران زال الى الأبد… انني اعلن رسميا ان ايران اصبحت قوة عظمى فعليا». وعلى هذا الاساس، سترتكز حملته لانتخابات الرئاسة المقبلة التي سيكون بالتأكيد مرشحا فيها، على رغم انه لم يلمّح حتى الآن الى هذا الترشيح، تاركا لقريبين منه التحدث عنه.
قبل يومين من هذا الاعلان، حسم الرئيس السابق محمد خاتمي (1997 – 2005) أمر ترشيح نفسه للرئاسة. وبرر ترشيحه بـ «الميل التاريخي للشعب الايراني للحصول على الحرية والاستقلال والعدالة»، متعهدا بتحقيق ذلك في حال فوزه الذي يفترض، كما قال، انتخابات حرة وشفافة.
وبذلك نكون امام نظرتين الى ايران، على رغم ان الترشيحات لن تقتصر على احمدي نجاد في الصف المحافظ (علماً ان منافساً أساسياً لم يقل كلمته بعد، هو علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى وسكرتير مجلس الامن الوطني الذي اطاحه نجاد). كما انها لن تقتصر على خاتمي في الصف الاصلاحي (هناك ترشيح شبه معلن لرئيس مجلس الشورى السابق مهدي كروبي، وما زال احتمال ترشيح مير حسين موسوي قائماً).
النظرة الاولى تركز على قوة ايران (بما ينطوي عليه ذلك من ادوار اقليمية)، وأخرى على الحرية والعدل والاستقلال (بما ينطوي عليه ذلك من تغليب لبرنامج داخلي). فهل نكون امام حملة انتخابية تكون حصيلتها ترجمة لقدرة الايرانيين على الاختيار بين ايران «القوة العظمى»، وبين ايران الحرية والعدل؟ ربما هذا الرهان هو الذي يعيد الى الانتخابات الرئاسية الايرانية المقبلة بعض الاهتمام، إذ من دون ترشيح خاتمي، ستكون الحملة مملة ونتيجتها محسومة لمصلحة احمدي نجاد، بعدما نال تأييدا علنيا من المرشد علي خامنئي ومن المؤسسة العسكرية.
لكن هل يملك خاتمي فرصة جدية للفوز، وهل ستتوافر ظروف تتيح له تحقيق ما عجز عنه في ولايتين سابقتين؟
في 1997، حملت موجة، عمادها الطلاب والشباب والنساء، خاتمي الى السلطة. وحتى 2005، لم يتمكن الرئيس من استجابة اي من المطالب التي رُفعت خلال هذه الموجة، لا بل تعرض الطلاب لحملة قمع، داخل جامعاتهم نفذتها مجموعات «حزب الله»، الجناح العسكري الطلابي لـ «الحرس الثوري»، من دون ان يتمكن الرئيس من حمايتهم. لا بل وجه مرارا الانتقاد الى حركتهم التي انتهت الى اعادة ضبط الطلاب على وتيرة مواقف اكثر الاطراف تشددا في النظام. ويُعتقد ان الاحباط الذي اصاب هذه الشريحة من الناخبين لن يكون بحماسة اقتراعها الاول والثاني لخاتمي.
اما الانفتاح المحسوب الذي مارسه خاتمي ازاء الغرب، فارتد عليه في الداخل، بعد تصوير هذا الانفتاح بمثابة رضوخ وتساهل بالمصلحة الوطنية والكرامة الايرانية. فأُضيفت الى صورته كرئيس متردد لا يملك قراراً حاسماً وضعيف في الداخل، صورة الرئيس الذي عرّض موقع ايران الدولي والاقليمي للتهديد. لقد كان الوضع كذلك، عندما كان للاصلاحيين صوت في مجلس الشورى والمجالس المحلية. وهي المجالس التي تخضع خضوعاً تاماً للمحافظين. بما يجعلها قادرة على احباط اي مشروع اصلاحي قد تقدمه حكومة خاتمي في حال انتخابه.
لكن جذر ضعف الرئيس في ايران لا يكمن في نتائج اللعبة الانتخابية، وانما يكمن في الطبيعة الدستورية للنظام حيث تحكم قبضتها المؤسسة الدينية والمؤسسات العسكرية والاجتماعية المرتبطة بها، والتي ترتبط كلها بالمرشد، المصدر الدستوري لكل القرارات. وليكون الرئيس صاحب كلمة فمن الطبيعي ان يكون ممثلا لهذه المؤسسات، كما هي الحال مع احمدي نجاد حالياً، على رغم ادائه الاقتصادي السيئ، اذ ارتفع التضخم الى أكثر من 30 في المئة وبلغت البطالة معدلات مرتفعة جدا، ووصلت في بعض المناطق الى حوالي 60 في المئة. واذا كان ثمة اجماع على ان هذه الحصيلة هي نتيجة التكاليف الباهظة للبرامج العسكرية والعشوائية في استثمار الثروة النفطية وغياب القدرة على التعامل مع آليات الاقتصاد، فإن العقوبات الغربية المرتبطة بالبرنامج النووي ساهمت ايضا في الازمة.
ولا يبدو ان نجاد سيطرح خيارات اخرى في ولاية ثانية محتملة، ما يجعل رهان الانتخابات الرئاسية مجرّد صورة للديموقراطية والتعددية، كما لاحظ لاريجاني بعدما اعلن خاتمي ترشيحه.




















