منطق الحوار كان دائماً منطقاً سياسياً بارزاً، ولعله سر من أسرار الحضارة الإنسانية الموغلة في القدم، فالتبادل الإنساني كان، عبر التاريخ البشري، دليلاً على أن قيمة الاختلاف هي قيمة إبداعية عندما يأخذ التعبير عن الاختلاف الحوار أداة للتواصل، ولعل كل المؤشرات والمعطيات تقول: إنه في غياب الحوار القائم على عنصري الاستماع والتفهم لا يكون للعلاقات الدولية إلا معنى واحد، وهو معنى التصادم والخلاف وتكريس منطق القطيعة الذي أثبتت التجارب أنه منطق غير مجد وغير مثمر..
وتبدو رغبة الإدارة الأميركية، بوضوح وجلاء، في القفز فوق منطق القطيعة وصم الآذان والفرضيات المسبقة والانغلاق العقائدي، إلى لغة التعاطي مع الغير مهما بلغت العلاقة معه حد الخلاف أو حتى حد القطيعة..
في محاولة جادة من إدارة تفهمت حجم الخسائر الأميركية التي سببتها إدارة بوش في كل اتجاه وفي مقدمتها «الصميم الأميركي» ذلك أن خسائر الأمم لا تحتسب بالأعداد والأوزان والأموال فقط، إنما تحتسب بالمكانة والهيبة والسمعة والدور الحضاري. وهذا جل ما خسرته أميركا قبل تولي الإدارة الجديدة.. ولذلك يبدو منطق الدعوة إلى الحوار والبحث فرصة للاستماع وتفهم الهواجس والتعرف إلى طبائع المشكلة من زوايا مختلفة وليس من زاوية واحدة وفق قراءات مختلفة وليس قراءة واحدة، يبدو منطقاً سياسياً راشداً يمكن أن ينتج عنه استقرار وتثمير لمفهوم التلاقي والنقاش والحوار.
إن مشكلات المنطقة ناشئة عن وجود احتلال مدعوم ليس بالسلاح والأموال فقط، وإنما بمنطق الغطرسة والطغيان اللذين لا يمكن أن يفضيان إلا إلى مزيد من التشدد والتصلب، وهذه نتيجة تتناقض بنيوياً مع كل استعداد للنقاش والإصغاء والفهم..
إن عودة المسائل إلى أصولها، وإلى مبتدئها، وإلى منطق اللغة السليمة، والفكر المنفتح والرغبة في البحث عن مشتركات وعن تفهم للمصالح المتبادلة كان دائماً السبب الرئيسي في نشوء الحضارات وازدهار التنمية والاستقرار والسلام، وكذلك الأمر فإن تجاهل مصالح الشعوب وحقوقها بما في ذلك حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وحقها في امتلاك القدرة للدفاع عن ذاتها وأمنها، وحقها في العيش الكريم والتطور وامتلاك أسباب العلم والحضارة كمدخل لممارسة حقها في الإسهام ببناء الحضارة الإنسانية والتواصل الراقي مع الآخرين، كل ذلك يعني باختصار أن أي حوار سياسي يجب أن ينطلق ابتداء من عنصرين أساسيين، الاحترام والندية التي تعني الانصراف عن لغة التفوق والقوة والغرور.. والتحلي بلغة المصالح المتبادلة والتفاهمات المشتركة.




















