الحياة – 11/02/09//
هل تصوّر من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن الأيام القليلة التي ستلي الذكرى الرابعة لاستشهاده، ستشهد بدء أعمال المحكمة الدولية في لاهاي لمحاكمة المتهمين بقتله؟
في أول آذار (مارس) سيصبح رئيس لجنة التحقيق الدولية دانيال بلمار المدعي العام لهذه المحكمة التي ستغير مجرى تاريخ الاغتيالات في منطقة الشرق الأوسط. فاغتيال الحريري حمل الأسرة الدولية على البحث عن الحقيقة وانشاء محكمة أرادها كل لبنان ويريدها كل مواطن عربي يطمح للعيش الكريم في بلده. فهذه المحكمة ستكون وقفة صمود من قبل الأسرة الدولية والقضاة اللبنانيين والدوليين، تحول دون أن تبقى الجرائم السياسية بلا عقاب.
فاغتيال الحريري دخل تاريخ المنطقة العربية، حيث سعت الدول الكبرى لمساعدة اللبنانيين على معرفة هوية اليد التي غدرت برئيس حكومتهم الذي كان عملاقاً في بلده وعلى الصعيد الدولي. فعلى كل لبناني وطني ومحب لبلده أن يفرح لبدء هذه المحكمة عملها، ولو أنها لا تعوض الخسارة الكبيرة للحريري وباسل فليحان ورفاقهما وكل الشهداء الذين تبعوهم وهم كثر من زملاء صحافيين مثل سمير قصير وجبران تويني إلى سياسيين وطنيين سقطوا لأنهم ناضلوا من أجل الاستقلال.
والقاضي دانيال بلمار لم يبح بما لديه، ولكن لجنته أنجزت بالتأكيد عملاً ضخماً، علماً بأنه عمل قضائي بحت، والأكيد ان لدى بلمار ما لا نعرفه وهو ما جعله يطلب تولي منصب المدعي العام.
ومن المفيد أن نذكّر كل من سعى إلى التحاور وفتح صفحة جديدة مع سورية مثل فرنسا في عهد رئيسها الحالي نيكولا ساركوزي الذي اقتنع أن سورية ستمكن بلده من لعب دور في المنطقة، بالظروف التي كانت قائمة في عهد سلفه جاك شيراك وصديقه الشهيد رفيق الحريري. فساركوزي الذي ركز حملته على القطيعة مع الماضي يعتمد في الواقع السياسة نفسها التي بدأها شيراك مع سورية حتى سنة 2003 بتشجيع من الحريري.
وشيراك أراد مثل سلفه فرانسوا ميتران فتح صفحة جديدة مع نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ثم مع ابنه الرئيس بشار الاسد، وتمسك بهذا النهج الذي برز من خلال زيارتي الدولة اللتين قام بهما كل من الرئيس حافظ الاسد وبعده ابنه، وأيضاً الرئيس اللبناني السابق اميل لحود. وأبقى شيراك على توجهه هذا حتى مؤتمر باريس 2، الذي وصل بعده إلى قناعة مفادها أن سورية لا تتجاوب مع سعي فرنسا لإقناعها بأن لبنان المنتعش اقتصادياً هو في مصلحتها، وأن الاصلاحات ضرورية لتحقيق هذا الانتعاش، وأن الرئيس لحود يعطّل هذا الانتعاش بإيعاز من الذين اختاروه.
لقد فشل شيراك في فتح صفحة جديدة مع سورية، على رغم إلغائه الدّين المترتب عليها لفرنسا وزيارات الدولة التي أثارت الرأي العام الفرنسي. واراد شيراك بعدها العمل على الحفاظ على الاستحقاقات الديموقراطية في لبنان والتي تمثلت بإجراء انتخابات رئاسية واحترام الدستور اللبناني.
في شباط (فبراير) 2004 أرادت الإدارة الفرنسية جس نبض الإدارة الأميركية بشأن التقارب بين البلدين اللذين كانا على خلاف بعد موقف شيراك الرافض للحرب على العراق. فذهبت الإدارة الأميركية الى العمل على تعزيز وصون الموعد الدستوري لانتخابات الرئاسة اللبنانية، وتمت المصالحة الأميركية – الفرنسية، وتكللت بقمة شيراك والرئيس الأميركي السابق جورج بوش في 4 حزيران (يونيو) حيث اصدرا بياناً نص على احترام الموعد الدستوري اللبناني. إلا أن سورية لم تسمع نصائح الأصدقاء ولا نصائح الأسرة الدولية. فحتى إيران نصحتها بترك لبنان ينتخب رئيساً جديداً له. وعلى رغم ذلك حصل التمديد وبعده القرار 1559 ثم استقالة الحريري وتشكيل حكومة عمر كرامي.
في هذه الأثناء بدأ الحريري يعد لانتخابات تشريعية كانت ستؤدي إلى فوز ساحق له، إلا أن يد الغدر أوقفت مسيرته الديموقراطية. فحجمه الكبير أزعج اليد التي غدرت به ودوره العالمي لم يكن يلقى تأييد من كان يريد الهيمنة على لبنان وابقاءه مشلولاً.
لا شك أن المحكمة الدولية لا تعوض خسارة الدور العملاق الذي كان يلعبه الحريري في لبنان وعلى الساحة الدولية، لكنها على الأقل تكشف الحقيقة. فهذا حدث تاريخي لبلد مثل لبنان حتى لو أن مصالح الدول تتغلب أحياناً مثلما حدث في قضية لوكربي مع ليبيا. ولكن معرفة هوية يد الغدر على الأقل، وعدم طمسها مثلما كان يحصل في الماضي، هي من حق كل مواطن يطمح إلى عيش كريم في بلده.




















