لم تستطع أمطار الأسبوع الماضي إزالة مخاوف المواطنين من الجفاف الذي يضرب بلادنا للعام الثالث على التوالي. ويحمد الناس ربهم على هذه الهطولات التي قد تضمن لهم شيئاً من مياه الشرب على الأقل، لكن القلق من المجهول يخيّم على قلوبهم، فوق ما يأتي من سياسات الحكومة التي ما زالت ثابتة على مفهوم "الدولة الأمنية".
فلقد استطاع الاستبداد بعد عقود من هيمنته أن يحافظ على ريعية اقتصادنا ويثبّتها على مبدأ الاعتماد على العوامل الخارجية من جهة، ويُدخل أكثر من خمسة ملايين مواطن في خانة الفقر والحاجة، لينفق 20% من السكان حوالي 7% من الإنفاق العام، في حين تنفق نسبة مساوية لها في القمة 45%.منه، من جهة أخرى.
في اعتماد النظام على ريع النفط، انتهى عهد "التوفير" من طريق تصديره، ودخلنا بقوة في عهد آخر تتزايد فيه قيمة مستورداتنا منه ومن مشتقاته، لتصبح نسبة متزايدة عاماً بعد عام. وحكومتنا الرشيدة التي استعجلت رفع الدعم عن الوقود العام الماضي من دون تغطية رشيدة، ما زالت مترددة في تخفيض أسعاره بعد انخفاضها في كل مكان، وفي الدول المجاورة. ليبدو بذلك أن المواطن آخر همومها..
وفي اعتماده على الزراعة التي تجود بخيرها السماء، انكشف سوء التدبير والسياسة أيضاً، لينهي عملية التباهي الفارغ بالأمن الغذائي والاحتياطي الكبير من الحبوب. فأرقام العام الماضي تبيّن أننا استوردنا أكثر من 1,5 مليون طن من كلٍّ من القمح والشعير والذرة، وأن احتياطي القمح قد هبط تحت هذه الكمية، واحتياطي الشعير إلى حوالي 200 ألف طن في حين استهلكنا منه –للأعلاف خصوصاً- 1,9 مليون طن في عام 2008.
وليست المسألة اقتصاداً أو أرقاماً مجردة، وليست الإشارة إليها إلاّ تنبيهاً من الحالة الشاملة التي تؤدي إلى التردد والارتجال في معالجة الأمور. فالمسألة في النهج الذي يوصل البلاد إلى مثل هذا التخبّط في السياسات، وفي الثمن الذي لن يدفعه إلاّ مواطنونا، والفقراء منهم خصوصاً، أولئك الذين نواجه خطر تزايد أعدادهم بشكل كبير.
وكما استعانت حكومتنا بتاريخها الأمني لتزهو على العالم بمدرستها القديمة في مكافحة "الإرهاب"، يبدو أنها ستفعل الشيء نفسه مع الأزمة العالمية، حين تعمد بعض السياسات الدولية السيئة إلى تعويم الشركات الفاشلة وزيادة البطالة حلاً للمشكلة، فتزهو حكومتنا بدعمها للمؤسسات المشلولة وتعميمها للبطالة المباشرة والمقنعة، وربما تعمد إلى إجراءات جديدة في هذا الميدان تزيد الطين بلّة والأوضاع سوءاً.
ويمكن أن يحدث ذلك، من دون التفات إلى آثار الهدر والفساد وغياب المنهج العلمي، الأمر الذي يعيد إنتاج سياسة الإفساد القديمة، وما يعادل التشريع للفساد الكبير الذي يبلع نسبة كبيرة من الدخل الوطني. وهاهي أخبار فاضحة للبنية الهشّة تأخذ طريقها بخفرٍ إلى الإعلام الرسمي نفسه، لنجد بين المتهمين رؤوساً كبيرة في الجمارك والشركات، وفي البلديات في كلّ مكان. فكأن مثل هؤلاء قد جاؤوا من فراغ، وليس من سياسة إفساد ثابتة، يتحمل النظام مسؤوليتها.
ولا يمكن للدولة أن تتزّن على طريقها الصعب من دون مجتمع مدني ما زلنا نرى السلطة تعادي وجوده وتنميته، كما لا يمكن للمجتمع المدني بدوره أن يبدأ مسار النمو من دون سيادة للقانون وحرية للرأي.. ولا يمكن للرشاد أن يجد لنفسه موطئاً لدى حكومة ما لم تتمّ مراجعة شاملة، وتأسيس على قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ويبدو أن السلطة مصرة على الاسترخاء والبقاء خارج التاريخ المعاصر.
وهذا طبيعي لمن يرى في الجفاف سحاباً قد يمطر عليه ذهباً وفضة!




















