حازم صاغيّة
اليوم 14 شباط (فبراير): ذكرى سنويّة أخرى لاغتيال رئيس الحكومة والقطب السياسيّ اللبنانيّ والعربيّ رفيق الحريري. وهي أيضاً فرصة أخرى لإعلان التمسّك بالمشروع الوطنيّ الذي رعاه الراحل الكبير في سنواته الأخيرة ثمّ قضى في سبيله بإحدى أكثر الطرق بربريّة. لكنّ المشاركة في 14 شباط تعلن عدداً آخر من الحقائق والقيم، كالمطالبة بتحكيم القانون بالجريمة والإصرار على الانتساب إلى فهم متمدّن للسياسة. وهذا ما يتعدّى السياسيّ إلى المجتمعيّ والثقافيّ، بقدر ما يتعدّى لبنان إلى المنطقة بأسرها.
ولنقل، بصراحة، إن انتصار هذه القيم، في هذا الجزء من العالم، حيث يُستسهل القتل، ليس بالأمر السهل. وهو ما نكتشفه يوميّاً على نحو يؤكّد لنا كم أن الطريق طويل، وكم ينبغي، بالتالي، أن تكون المسؤوليّة كبيرة.
يضاعف الشعورَ المفترض بالمسؤوليّة ان اللبنانيّين اليوم عشيّة انتخابات نيابيّة عامّة هي مفصليّة بأكثر من معنى. فأن تنجح أحزاب 8 آذار وقواها في إحراز أكثريّة برلمانيّة معناه إمساكها بالشرعيّة الدستوريّة بعد الإمساك بالبندقيّة وامتياز الجوار مع سوريّة. وهذا بعض لوحة إقليميّة تتوزّع عناوينها الكبرى ما بين وصول باراك أوباما الى البيت الأبيض، وحرب غزّة، وانتخابات إسرائيل الأخيرة التي أعطت الأكثريّة للقوى الأشدّ تطرّفاً، وإحداها لا تتورّع عن الدعوة إلى ترحيل فلسطينيّي الـ48، جاعلةً منها عقيدة مركزيّة لها. وهذا ناهيك عن احتمال تجدّد المفاوضات السوريّة – الإسرائيليّة، مباشرة كانت أم غير مباشرة، وارتفاع نسبة التفاؤل المحسوب بإقلاع التجربة العراقيّة.
وقصارى القول إنّنا واقعون في قلب عمليّة دراميّة قد تتعدّل فيها الخرائط، وقد تفنى، وقد تنشأ، دول.
لهذا كلّه مطلوبٌ من الرسالة التي يوصلها 14 شباط الحاليّ، عبر كلمات قادة 14 آذار، أن تكون مسؤولة وجدّيّة تخاطب عقول اللبنانيّين فيما هي تخاطب قلوبهم، أي أن تشرح لهم طبيعة المرحلة وتحدّياتها، وأن تسلّحهم بمعانيها، وتعدّهم للتعامل معها، ولصوغ مواقف حيالها تجمع بين الثبات والمرونة.
فما عهدناه في المناسبات المماثلة السابقة طغيان الزجل والإنشاء والتسجيع والعنتريّات اللفظيّة والتشاطر الكلاميّ على خطب الخطباء، تاركين لأمين عام «حزب الله» أن يحتكر وحده المخاطبة التي تعادل المناسبة وتواكبها، كما ترفدها بالمعاني والشعارات الملازمة.
ويؤمل ألا تنتهي مناسبة 14 شباط الحاليّ بما انتهت إليه سابقاتها، خصوصاً ان الزجل هو الشكل التعبيريّ للطوائف والجماعات الصغرى، تتباهى به واحدتها على الأخرى وتحارب به واحدتها الأخرى. ويُستحسَن في قادة 14 آذار أن يكتفوا بعين واحدة ينظرون بها إلى طوائفهم ومناطقهم، تاركين لعين أخرى أن تنظر إلى الوطن ككلّ. فالوطنيّ اللبنانيّ يتملّكه اليوم طموح الى مخاطبة تتحدّث الى وطنيّته ومواطنيّته، إن لم يكن حصراً فأساساً، وتتحدّث إلى عقله الذي يوحّد أكثر مما إلى قلبه المفصوم.
إنّها فرصة لقادة 14 آذار أن يسموا إلى قضيّة 14 آذار.




















