في الأيام الأخيرة، تساءل كثيرون، عن مدى صحة وجدوى ما تقوم به وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من إرسال مبعوثين خاصين في كل الاتجاهات، من مثل جورج ميتشل لمعالجة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وغيره لأفغانستان، وقد يأتي آخرون لإيران.. الخ. وأنا أرى أنه من حقهم أن يسألوا كلينتون عن هذه المجموعة من المبعوثين. ووجهة نظري أن المشكلة ليست في إرسال المبعوثين، بل في أنهم غير كافين. ففي حالة النزاع الفلسطيني/الإسرائيلي تحتاج كلينتون الى خمسة مبعوثين على الأقل! ذلك أن هذا النزاع يتكسر ويتشرذم الآن الى عدة اجزاء، وقد يحتاج الى جهود وزارة الخارجية كلها لمعالجته أو التصدي له. فبالإضافة الى ميتشل قد تحتاج هيلاري الى زوجها والى ابنتها أيضاً. بل إنها تستطيع أن تصيح بمن تراه في أحد ممرات وزارة الخارجية: يا أخ، ألا تريد رحلة ببلاش الى الشرق الأوسط؟ ونسينا أن نذكر أنها ربما تحتاج الى رجلين اعتنيا بالشرق الأوسط أيضاً وهما جيمس بيكر وجيمي كارتر! ولا شك أنه قد يكون من المفيد معرفة تاريخ المسألة لكن الأفضل من علم التاريخ قد يكون علم البيولوجيا، أو كيف تعيد الخلايا إنتاج نفسها بالانقسام المستمر الى نصفين الى ما لا نهاية.
كيف تبدأ؟ الفلسطينيون الآن منقسمون بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والسلطة في رام الله علمانية، والسلطة في غزة اصولية، لكن "حماس" أيضاً تنقسم الى جناح عسكري وآخر سياسي. والسياسي بدوره منقسم الى واحد في غزة والآخر في دمشق. وهذا القسم يتلقى أوامره من دمشق وطهران. وأفضل ما أستطيع قوله هنا إن الحماسيين يحاولون في الوقت نفسه إجراء تهدئة مع إسرائيل بواسطة مصر، ويتابعون في أوروبا مساعيهم لإدانة جرائم إسرائيل، وفي غزة حفر الانفاق للتهريب، وفي طهران لاستقدام أموال لإعادة الإعمار. أما زعماء الضفة الغربية فهم منهمكون في جمع الأغذية والأطعمة لسكان غزة علناً وفي السر كانوا يتمنون أن تزيل إسرائيل حماس من الوجود.
هل لا تزالون تتابعون معي؟ إسرائيل الآن تملك حكومة مستقيلة يملك رئيس وزرائها ووزير دفاعه ووزيرة خارجيته، كل منهم خطته الخاصة للسلام، وإستراتيجيته للحرب، وشروطه الخاصة لوقف إطلاق النار في غزة. ضد بعضهم في الانتخابات التي تجري اليوم (الثلاثاء)، وفي الانتخابات تقول الاستطلاعات إن رجلاً جديداً على المشهد سوف يكسب مكاسب كبيرة ويصبح بيضة القبّان هو ليبرمان، وهو يتزعم حزباً يقال إنه فاشي. وهو معروف بكراهيته للعرب، ولا يريد سلاماً معهم (لم تكن نتائج الانتخابات قد صدرت عند نشر هذه المقالة بعد). وقبل أيام قرأت في صحيفة هآرتس مقابلة مع باراك زعيم حزب العمل ووزير الدفاع في الحكومة المحاربة في غزة يتهم فيها ليبرمان بأنه حَمَلٌ وديع في لباس أسد، أو فأخبروني متى قتل ليبرمان أحداً.
لماذا صار هذا النزاع منقسماً الى هذا الحد؟ وللبدء، فإن من أسباب ذلك أنه استطال لعقود طويلة، والضفة الغربية الآن مقسمة الى أقسام لا تنتهي بالأسوار والطرق ونقاط التفتيش والتحصينات لفصل المستوطنات الإسرائيلية الحمقاء عن القرى الفلسطينية. وعلى سبيل المثال فإن الفلسطيني يستطيع الطيران من القدس الى باريس، أسهل من تنقله بين جنين في شمال الضفة، والخليل في جنوبها! والسبب الآخر لهذا التشرذم أن كل محاولة سلام جُرّبت باءت بالفشل. فبالنسبة للفلسطينيين أتتهم القومية ثم الشيوعية ثم الأصولية الدينية، دون أن تستطيع إحداها جلب السلام والازدهار. ولذلك فإن كثيرين من الفلسطينيين تراجعوا باتجاه العائلة والعشيرة والبلدة والانتماءات الفرعية الاخرى. ومبادرات "السلام الآن" وأوسلو والدولتين، أفشلتها حتى الآن ارتفاع نسبة المواليد بين الفلسطينيين، مما يهدد الطابع اليهودي للدولة العبرية ـ كما أن القذائف والصواريخ التي تابعت الجيش الإسرائيلي المنسحب من لبنان وغزة، جعلت من الانسحاب المنفرد أضحوكة لا يمكن تنفيذها مرة أخرى وكل هذه المشكلات والعقبات، زاد من نزعات وتيارات التدين لدى الطرفين. ففي تقرير لصحيفة هآرتس أن نشرة للجيش الإسرائيلي تتضمن الأسئلة (أو الاستفتاءات!) التالية الى الحاخام الإسرائيلي الأكبر: هل يمكن اعتبار الفلسطينيين المعاصرين مماثلين للفلسطينيين الذين يرد ذكرهم في التوراة؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فهل يمكن اتباع التكتيكات التي اتبعها شمشون وداود في الماضي؟ ويجيب الحاخام: نعم، المقارنة ممكنة، لأن الفلسطينيين القدامى لم يكونوا من أهل البلاد، بل من الأجانب!
أخبروني، بربكم، من سيجرؤ على المحاولة بعد في تسوية هذا النزاع؟ أما أنا فأفضل أن أحاول تأليف قطيع من القطط أو ممارسة إدخال المناظير للأمعاء الغليظة أو ترؤس أحد البنوك السيئة التي يريد أوباما جمع ديون الرهن العقاري فيها. وأراهن أن كل هذه الأعمال مسلية أكثر من التعاطي بالنزاع الإسرائيلي/الفلسطيني. وإذا كان ميتشل ما يزال على تصميمه على الدخول في الحل، فإني أدعو الله له بالتوفيق، وسأخصص عامودي المقبل لمحاولة تجاوز ذلك.
("نيويورك تايمز "10/2/2009)
المستقبل




















