إن أكثر ما تخافه النخبة الإيرانية الحاكمة اليوم هو نموذج غورباتشوف.
أي أن يأتي أحد من داخل النظام، وباسم التنازلات والتسويات مع الغرب، أن يهدد أصول النظام، وينتهي الى بيع الثورة للغرب الغريب. إن الصراع على السلطة بإيران ينبغي النظر إليه بهذا المنظار، في الانتخابات القادمة في 12 حزيران المقبل، وهي ولا شك أهم إنتخابات في العالم، بعد الإنتخابات الأميركية. ولذا فإن النقاش يتركز الآن، هل تستطيع إيران أن تتبع النموذج الصيني في الإصلاح، بحيث تستطيع النخبة الحاكمة منذ ثلاثين عاماً أن تستمر خلال التغيير، أو أنها مضطرة لفتح أبوابها للولايات المتحدة من خلال الأسلوب الغورباتشوفي المحطِّم والمندثر؟!
إن صراخ الموت لأميركا، والذي يمتزج أحياناً بالموت لإسرائيل، يبدو الجواب الملائم. فالنظام سوف يظل يمارس اللعبة التي يتقن أصولها.
بيد أن باطن إيران غير ظاهرها. وهي تحاول الكثير لإخفاء ما في الباطن فقبل مدة قال لي جهانكير أمير حسني، وهو محام قبع لسنوات في سجون الملالي إذا أردت أن تبعث على الثقة، يكون الخداع ضرورياً! وقد كان جاداً فيما قاله، والأمر يتعلق بالسياسات الأميركية، أكثر مما يتعلق بالسياسات الإيرانية.
وقد ظهر فقر تلك السياسات والأدوات، إذ تصادف الهياج الإيراني مع تكاثف المشكلات الأميركية، ومع الرئيس الأميركي الجديد لا بد من إقناع السيد خامنئي أن التعاون مع الولايات المتحدة لا يعني انحلال السلطة الإيرانية. وفي ذلك يكمن المدخل الى عقلية الملالي الذين يحكمون مع خامنئي. فسلطة خامنئي ليست مطلقة، بل هو يملك أكبر الأنصبة أو الأسهم في نظام للاستبداد والضغوط المتناقضة تناقض الحرية والطغيان. وهذا يعيدنا الى الرئيس الإيراني السابق خاتمي، والذي كان ينظر إليه باعتباره إصلاحياً على نمط غورباتشوف.
لكن خاتمي الرئيس ما كان كذلك. فعهده الطويل (1997 ـ 2005) خيّب آمال كثيرين من الإيرانيين. وعندما انكسر خاتمي انكفأ. أما الاحتجاجات الطلابية في العامين 1999 و2003 فإنها ضربت قبل أن تبدأ. ومع ذلك فإن مرتكزات خاتمي كانت الإصلاح الاقتصادي، والحريات، والحوار ـ بقدر ما كان الهياج وسوء الإدارة هو ما يميز إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد.
وفي الوقت الذي كان الإيرانيون يتساءلون كيف ذهبت مليارات الدولارات نتيجة ارتفاع أسعار النفط، قدم خاتمي ترشيحه، فزاد ذلك من حرارة السباق. وهكذا أزال خاتمي التساؤلات هل يترشح أم لا، حين قال: هناك ضرورة تاريخية للعمل من أجل الحرية والاستقلال والعدالة. وقد اعتبر نفسه جندياً في خدمة الأمة. وسيكون نجاد خصمه الرئيس وما نجح نجاد في تحويل إيران الى صوت المستضعفين في العالم. لكن حماسه للملف النووي، ولمسته الشعبوية، كل ذلك اجتذب عواطف خامنئي. وهناك من يقول إن أحمدي نجاد قد يفضل الانفتاح من جانب إيران على إدارة أوباما، لأنه واثق أن أميركا هي التي ستنهار وليس إيران. وبالفعل فإن نجاد ينظر الى الرأسمالية باعتبارها سائرة على آثار الشيوعية وهلاكها. لكنني لست مقتنعاً بأن الانفتاح من شيمه!
إن مصلحة الغرب هي أن لا يظل نجاد في السلطة لفترة ثانية. ولأن نجاداً يرى ازدهاره في السياسات الراديكالية، فينبغي أن لا يجيبه أوباما الى ذلك. ولذا فأنا أرى أن لهجة جو بايدن نائب الرئيس في ميونيخ في الأسبوع الماضي، والتي تدعو للاستمرار في الحصار والعقوبات، كانت خاطئة. لقد قال لي تاج زاده إن بوش أساء إساءة كبرى لحركة الإصلاح بإيران. ولذلك نريد من أوباما الاعتدال، وإسقاط الخيار العسكري. وقال لي كاظم جلالي المسؤول الإعلامي بمجلس الأمن القومي: توقفوا عن النظر إلينا من فوق وبكبرياء وهيمنة! فعلى إدارة أوباما أن تعلن أنها لا تقصد الى هدم النظام أو تغييره بإيران، وأن عملها في النزاع الشرقي أوسطي هو عمل الحكم النزيه، بخلاف إدارة بوش الابن. وهذه السياسة تساعد خاتمي، وربما تساعد محافظاً معتدلاً مثل رئيس بلدية طهران تاليباف، للتخلص من نجاد.
والرئيس المعتدل لن يحل مسألة النووي ـ فخامنئي لهذه الناحية مقفل ـ لكنه قد يساعد وأتمنى لو ينظر أوباما في احدى الرحلات الى الطاولة التي جلس عليها بطهران عام 1943 كل من روزفلت وستالين وتشرشل لتقرير مصائر العالم، وما كان بينهم إيراني واحد.
إن إيران هي اليوم مستقلة، واستقلالها عزيز عليها. وإطلاق الصواريخ، والنووي، موضوعات للكبرياء القومي، وعلى الأميركيين أن يفهموا ذلك. ولكي ينفتح النظام دون ان يخشى الانهدام، علينا مراعاة مقتضيات الكبرياء القومي الإيراني. وسنعرف رأي الشباب الإيراني في ماهيات التغيير قبل إنتخابات حزيران 2009.
("هيرالد تريبيون" 9/2/2009)
المستقبل




















