وسام سعادة
واضحة للغاية الوجهة السياسيّة التي كان تجديد ثورة الأرز على أساسها في 14 شباط 2009. ذلك أن تحرير النظام الدستوريّ اللبنانيّ من ورم "الثلث المعطّل" وإعادة تفعيل أسس الديموقراطية البرلمانية، بموجب الإنتخابات النيابية القادمة (وإلا فما الداعي للإنتخابات؟!)، يوازي في أهميّته وضرورته وإلحاحه، تحرير لبنان من السيطرة العسكرية السوريّة بموجب "إنتفاضة الإستقلال" الناشبة في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.
كابوس يتقّلص: من التمديد إلى الثلث المعطّل
لقد فُرض "الثلث المعطّل" نتيجة لإستخدام ورقة الغلبة الأمنية للمسلّحين في 7 أيّار لإجبار الحكومة الإستقلاليّة على سحب القرارات الأكثر سيادية في تاريخ لبنان. كما فُرِضَ هذا "الثلث المعطّل" بفعل التمادي في شلّ البلاد طيلة العام ونصف العام، وحصار وسط العاصمة، نتيجة لإنسحاب "ما دون الثلث" من الوزراء في أواخر العام 2006، وتفسيرهم الفقرة "ياء" من مقدمة الدستور على هواهم. وكان القبول بـ"الثلث المعطّل" بموجب إتفاق الدوحة شرطاً لا غنى عنه لإنهاء كابوس "الفراغ الدستوريّ" المتمّم لكابوس "التمديد".
يبيّن التطوّر "الإيجابيّ" من "التمديد"(كرسي الرئاسة المدار سورياً) إلى "الفراغ" (كرسي الرئاسة المعلّق في الفراغ) إلى "الثلث المعطّل"، الطبيعة "المريرة" لحركة الإستقلال اللبنانيّ الثانيّ.
وإذا كانت الحركة الإستقلالية قد استندت إلى لحظة ومندرجات القرار 1559، في مواجهة كابوس "التمديد" المشؤوم، وإذا كانت هذه الحركة سريعة المبادرة فور حلول "الفراغ الدستوريّ" للمطالبة بإنتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً للجمهوريّة، فمؤكّد أنّ لحظة قبولها بـ"الثلث المعطّل" كانت الأصعب، بل هي لحظة دخلت فيها الحركة الإستقلالية في كبوة لم تخرج منها إلا في 14 شباط 2009. ومع ذلك، كان من الواضح أنّ الأكثرية قبلت بـ"الثلث المعطّل" في حدود المرحلة الإنتقالية التي تفصل بين إنتخاب رئيس جديد للجمهورية وبين إجراء الإنتخابات النيابية، وليس أبداً لتبديل الصيغة الدستوريّة المقرّة في الطائف، وأنّها قبلت بـ"الثلث" هذا من بعد التزام "إتفاق الدوحة" بسحب الصاعق التفجيريّ له، من خلال البند الثاني، وجاء فيه "تتعهد الأطراف بمقتضى هذا الإتفاق بعدم الإستقالة أو إعاقة عمل الحكومة".
المشاركة تشريعية لا تنفيذية
لقد لجأت قوى 8 آذار لسلاح "التعطيل" في أكثر من ملف، بل لجأت إليه غداة المفاوضات لتشكيل الحكومة وأثناء المداولات لصياغة بيانها الوزاريّ، وأستمرّ مسلسل "إعاقة عمل الحكومة" من إثارة صلاحيات نائب رئيسها، إلى التعيينات، إلى لجنة الإشراف على الإنتخابات، إلى الموازنة المراد إقحام مجلس الجنوب اليها.
فإذا كانت الحركة الإستقلالية ترفض نظرية "الثلث المعطّل" من حيث المبدأ فقد أعطتها التجربة الحكومية سبباً عينياً يوميّاً لهذا الرفض. ومن هنا صارت الحركة الإستقلالية أكثر قدرة على تشخيص محور البرنامج السياسي الذي على أساسه تخوض الإنتخابات: لا ثلث معطّل بعد الآن، وأيّاً تكن نتيجة الإنتخابات.
ترى الحركة الإستقلالية أن الإنتخابات "مصيرية" لأنّ الخيار فيها هو بين "دولة منفتحة" على محيطها العربيّ وعلى العالم وبين "دولة منبوذة" تقتصر علاقاتها على سوريا وايران وفنزويلا وأنور رجا. مع ذلك فإنها تدعو للإحتكام إلى الحدّ الأدنى من الديموقراطية البرلمانية: الفائز بالأكثرية في المجلس النيابيّ له أن يتمتّع بالأكثرية المريحة له في الحكومة.
في المقابل، ترفض قوى 8 آذار 7 أيّار الصفة "المصيريّة" للإنتخابات في الوقت نفسه الذي تصرّ فيه على تخوين الطرف الذي ينافسها على هذا الإستحقاق، إذ ترى في 7 حزيران المقبل موعداً لإستكمال انتصارات حرب تمّوز.
في الوقت نفسه تؤكّد هذه القوى الموالية للنظامين السوريّ والإيرانيّ، رغبتها في "المشاركة"، على أساس "الثلث المعطّل". ترى في ذلك دليلاً على زهدها في الحكم!
في مناقضة جذرية لهذا المنطق تتجدّد ثورة الأرز: لتكن الموالاة في الحكومة ولتبقى المعارضة في المجلس النيابيّ، وليكن التداول على السلطة. أما "المشاركة" فتكون في إطار السلطة الإشتراعية وليس في إطار السلطة الإجرائية.. إلا إذا كانت مبنية على تقاطعات برنامجية مشتركة تكفل حسن التقرير والتسيير وعدم التعطيل.
إذا ما ثابرت قوى 14 آذار على هذا النهج، فستتضح أكثر فأكثر محدودية الرؤى المتوفرة عند 8 آذار والمحصورة بين نبذ مشروع الدولة في لبنان (فرض المشاركة التعطيلية)، وبين المخاطرة بتحويل لبنان إلى دولة منبوذة (في حال تفلّت الطرف الآخر من لعبة المشاركة القسرية والتعطيلية).
المعركة الأخلاقية
بإلاضافة إلى هذا البعد السياسيّ كما بيّنه مشهد 14 شباط 2009، فقد تجذّر البعد الثقافي الأخلاقي للمواجهة. لا نعطي كل هذا البعد حقّه من خلال الحديث عن إفتراق بين "ثقافة للحياة" و"ثقافة للموت". ثمة أيضاً صراع بين الخير والشرّ. أجل، كان الخير بادياً على وجوه كل المشاركين في العاميّة الإستقلالية المتجدّدة. يحضر الخير حينما يتمازج الحزن الصادق والفرح النضر، والصبر على الظلم بانتظار لحظة الحقيقة. أما الشرّ فهو خلطة من حقد وجهل، من دسّ وشماتة وإفتراء. لا يفرّق الشرّير بين قيمه وأهوائه. يدمن تبرئة القاتل والتغنّي بجريمته في آن.
إذا كان الإفتراق في لبنان هو بين "ثقافة للحياة" و"ثقافة للموت"، فهو أيضاً صراع بين الخير والشرّ. وكما ظهرت إرادة الخير في وضح النهار مقرونة بإنتظارات المحكمة الدوليّة وبالتطلّع إلى تحقيق كل من الإستقلال والإستقرار، فقد كشف الشرّ عن وجهه الخبيث كما في كل مرة، ومن خلال اغتيال المواطن لطفي زين الدّين ليس لذنب اقترفه إلا مشاركته في مليون لبنانيّ آخر يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريريّ ورفاقه.
اغتياله كان اغتيالاً رمزياً لكل فرد شارك في رسم اللوحة المليونية الإستقلالية للمرة الخامسة على التوالي. لأجله، كما لأجل المليون الإستقلاليّ المحتشد، كانت المحكمة الدوليّة، إنّها بإختصار قضية شعب.
"المستقبل"




















