الياس حرفوش
بين الحشود المنتظَرة اليوم في بيروت احتفاء بشهداء المقاومة والحشود التي غصت بها ساحة الشهداء نهار السبت الماضي إحياء لذكرى الرئيس رفيق الحريري، تعود ساحات العاصمة اللبنانية من جديد مسرحاً يعرض فيه جمهور كل من الفريقين المتنافسين مدى قدرته على جمع المناصرين والمؤيدين، وبالتالي مدى الشعبية التي يتمتع بها على ابواب الانتخابات المقررة بعد اقل من اربعة اشهر.
لسنا طبعاً، كما هو مأمول، امام 8 آذار و14 آذار جديدين. لكن الواضح ان هناك ميلاً لدى الطرفين لجعل المناسبتين، حيث يحتفل كل منهما بشهدائه، تعبيراً عن مدى التأييد الشعبي الذي لا يزال يتمتع به كل من الفريقين، وذلك على رغم مرور اربع سنوات على المناسبتين السابقتين اللتين اعقبتا اغتيال الحريري، ذلك الاغتيال الذي قلب الخريطة السياسية في لبنان ومعها العلاقات بين الدول الرئيسية في المنطقة رأساً على عقب.
بمقياس الشعبية هذا يمكن القول إن الاحتفال بذكرى الحريري كان ناجحاً، سواء لجهة حسن التنظيم او لجهة أعداد المناصرين الذين تقاطروا للمشاركة، لكنه كان ناجحاً ايضاً نظراً الى اللغة التي تميزت بها الخطب التي ألقاها قادة 14 آذار، والتي اعادت التأكيد على ثوابت المشروع الوطني الذي أطلقه اغتيال الحريري، وخصوصاً لجهة استعادة الدولة حرية قرارها بعد الانسحاب السوري، وعلى قدرة هذا المشروع على استيعاب اللبنانيين من مختلف الاتجاهات، اذا هم شاؤوا الانضمام إليه.
اي ان قيادات 14 آذار تريد القول إن خطابها السياسي ليس خطاباً فئوياً، ولا هو خطاب يعبّر عن مصلحة طائفة واحدة او مذهب بعينه، بل هو خطاب قادر على جمع اللبنانيين حوله، بعيداً عن الميول الفئوية، طالما ان المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.
ومثل هذا التوجه في الخطاب السياسي يعتبر امراً محموداً، طالما ان هدفه نزع الاحتقان من الخلاف الداخلي، وخصوصاً ان التهديدات باللجوء مجدداً الى السلاح لحسم هذا الخلاف لا تزال جدية، مثلما ظهر من اعمال الانتقام التي طالت عدداً من المشاركين في ذكرى الحريري. لكن تبريد الجبهة الداخلية يقتضي اكثر من خطاب منفتح ومعتدل من قوى 14 آذار. انه يحتاج الى فصل ما هو داخلي في الخلاف بين اللبنانيين عما هو خارجي، اي اعادة اللعبة الى قواعدها السياسية الداخلية، التي يمكن ان تتحكم بها نتائج الانتخاب او توازنات القوى الداخلية، كما كان يحصل في مراحل كثيرة من الأزمات السياسية التي عصفت بلبنان، بدلاً من ان يكون عامل التحكم الوحيد هو ضغوط الخارج ومصالحه على قرار اطراف الداخل واتجاهاتها.
ولكي يكون المرء واقعياً يكون من الضروري ان يسأل: هل تكفي لغة الانفتاح الداخلية والدعوات الى الالتقاء حول المشروع الوطني، مشروع السيادة والاستقلال الذي يفترض ان لا يكون هناك خلاف حوله، هل تكفي هذه الدعوات وتلك اللغة لاستعادة «الممانعين» الى خيمة هذا المشروع؟ صحيح ان «اللغة الوطنية» لا تنقص احداً من السياسيين اللبنانيين، الموالين منهم والمعارضين، لكن ترجمة هذه اللغة على ارض الواقع وعلى قاعدة المصلحة الوطنية كانت دائماً موضع نزاع، مثلما ظهر خلال جلسات الحوار التي يرعاها رئيس الجمهورية، خصوصاً عندما وصل الأمر الى بحث ما سمي «الاستراتيجية الدفاعية»، او عندما اصطدمت الحكومة، التي يفترض انها «وفاقية»، بقرارات من نوع مراقبة الاتصالات الهاتفية بهدف ضبط الوضع الامني المهدد من اكثر من اتجاه.
لقد اثبتت الارتباطات الخارجية التي لا تزال تتحكم بمواقف قسم من السياسيين اللبنانيين، انها تظل الأقوى عندما يتعلق الأمر بقرارهم الداخلي. وفي الاشهر المقبلة التي يقف فيها لبنان على مشارف بدء اعمال المحكمة الدولية، وما يمكن ان تنتهي إليه الانتخابات النيابية من نتائج سوف ترسم الخريطة السياسية للسنوات الاربع المقبلة، سوف تكون هذه الارتباطات والمصالح الخارجية هي العنصر الاساسي في الوضع الداخلي. ومن الحكمة امام واقع كهذا ان تؤخذ نداءات قادة 14 آذار الى تغليب الداخلي على الخارجي على انها مجرد امنيات بهدف تخفيف الاحتقان، أكثر مما هي دعوات الى استقلال بعض قوى الداخل عن ارتباطاتها الخارجية، لأن هذا الاستقلال هو من قبيل المستحيل في ظل المعطيات الحالية.




















