كيف يمكن أن نقول الفلسفة بالعربية؟ بل بدءاً، كيف تُسأل الفلسفة باللغة العربية؟ اشكالية تفرض مبحثاً يسبق محاولة سبر اغوارها، ويرتبط بإمكان طرح اي سؤال بالعربية في زمن غدت الاجابات سابقة على الاسئلة وشديدة الحضور في كل الحقول والمجالات، مفسحة لليقينيات كي تتصدر مجمل الخطاب العربي، النقدي منه والتقليدي. فجملة خلاصات هذا الخطاب غالبا ما تكون متضمنة في مقدماته، والمصادرة على المطلوب تحكم آليات التفكر فيه، اما الوقوع في الدور فهو سيد المنطق الذي يحكمه. لذلك لا يمكن مقاربة موضوع الفلسفة بالعربية وسؤالها الا من خلال العودة الى العناصر المكونة لهذه الاشكالية والسعي الى تفكيك بنيتها في ثلاثية ترتبط بإمكان السؤال، واحتمال الفلسفة، ومدلولات اللغة.
السؤال الفلسفي
يقتضي السؤال اجابة ما. هكذا هي الحال في حقول لا تملك ميزة الصبر والتأني، فبالنسبة الى العلوم البحتة وما يتفرع عنها، فإن السؤال يستدعي اجابة، كما أن المعلول يقتضي علة.
لكن ما يصح في هذه الميادين لا ينطبق على الفلسفة، التي تنطوي على احتمالات اخرى. فالمسار، لا نهايته، قد يكون هو موضوع الفلسفة فتضحي بذلك "الحركة كل شيء والهدف لا شيء"، وهكذا قد تصيب الاجابة المعنى او لا تصيب، لا همّ للفلسفة من ذلك، طالما اضحى السؤال حقلا للبحث والتداول في ذاته.
فالاسئلة وما يقف وراءها من اشكاليات هي المحدد والمعيار لمقدار ما ينتج من قطع معرفي، او "باراديغم" في لغة توماس كون. لذلك تصبح الحاجة ماسة لتلمس درب التساؤل الفلسفي بالعربية في زمننا الراهن، ومعرفة الارض التي يرتكز عليها.
تقف الاسئلة المعرفية المطروحة بالعربية على الهوامش لا تقارب المتون. تنتظر على الابواب، تحتار من اين تلج الى دائرة التساؤل، وما الاشكاليات التي يمكن ان تطرحها. فالذات السائلة مهمومة لا بسؤال وجودها، بل بوجودها نفسه. تعاصر حروبا واقتتالات وقمعا، تفتقر الى مقومات الحياة، وتلهث وراء عيشها. باختصار: وجودها مهدد، سواء أكان مصدر التهديد قتلا مباشرا ام معنويا يرتكز على جملة محظورات لا يجرؤ السائل على التطرق اليها. وبذلك اضحت اسئلةٌ، كشروط قيام المعرفة، وسؤال الكينونة، وآليات التأويل وغيرها من الاسئلة، ترفا لا مكان له في لهاثنا اليومي وراء تحليلات وقراءات للعادي من يومياتنا التي تواجه مأزق الوجود وانتفاءه. فالاشكاليات تفرض نفسها، تقتحم المشهد بلا استئذان، هي وليدة الظرف التاريخي على ما علّمنا بعض من تاريخ الفلسفة حين كان السياق التاريخي عاملا حاسما في بلورة الاسئلة. فأي سؤال يفرضه علينا الواقع العربي اليوم؟
هو سؤال لا يرقى الى مستوى الفلسفة، فالذات السائلة منهمّة بقضايا تحمل عناوين كبرى من مثل التغيير والتحديث والتأصيل، يغيب في اتونها الانهمام المعرفي لصالح مهام من حقول اخرى. يتحول السائل الى "مناضل"، سؤاله مشتت بين اشكالية التنوير والقطع المعرفي واللحاق بركب الحداثة وانجازات عصر الانوار الغربي. يماثله طرح آخر يدّعي بدوره ثورية ما، ينقّب في بواطن التراث عن ترياق يعالج ما افسده الدهر، منكرا بذلك على العقل تعقله الاشياء، لا بل يذهب ابعد من ذلك عبر ادانة تراث كامل من التوفيقية قام على الجمع بين العقل والايمان في زمن محاولات لم ترق الى مستوى القول الفلسفي. وهو نفسه يعاود في لحظة ثانية تمجيد هذا التراث، فيخرجه بانتقائية من جعبته، ويرميه في وجه منتقديه لينفي به تهمة عن نفسه ويؤكد من خلاله افراده مساحة للعقلانية في تاريخه المتواصل لقمع هذه العقلانية واستئصال ايّ بذور لها.
هكذا نجد انفسنا امام اتجاهين يحكمهما خطاب ايديولوجي، جذره واحد. الاتجاه الاول يدّعي الحداثة والثاني الاصالة، اما تقاطعهما المشترك فيقوم على البحث عن توظيف سياسي للفلسفة وسؤالها وافتراض وظيفة تغييرية لها.
كأن من يصنّفون انفسهم ليبيراليين او اسلامييين او يساريين، ايا تكن تسميتهم، يحتكمون جميعا الى مقولة "ان الفلاسفة لم يقوموا حتى الان إلا بتأويل العالم بكيفيات مختلفة، في حين أن المطلوب هو تغييره"، فتحكم مقولة ماركس هذه، بشكل واع او غير واع، خطاب الواقفين على طرفي نقيض، متناسين ان هذه المعادلة غير مؤسسة، وقد سبق لهايدغر ان امعن فيها تفكيكا بقوله "إن المتمعن اكثر بهذه القضية والجانح الى التأويل لا يمكنه ان يغفل ان شرط التغيير هو التفسير"، وتاليا لا استقامة لواحدهما دون الاخر، الا ان وظيفة التأويل من شأن الفلسفة، بينما الثاني، اي التغيير، مهمة تحتاج الى ادعياء الثورة وما اكثرهم.
الدور الوظيفي للفلسفة
في معرض اجابة جيل دولوز وفليكس غتاري عن سؤال ماهية الفلسفة في كتابهما الذي حمل العنوان نفسه، خلصا الى ان القول الفلسفي هو ابداع المفاهيم. فالفلسفة لا هم لها سوى الفلسفة. تتمرن انشائيا على القول وإمكانه، تبدع المفاهيم، وتسطر الميتافيزيقيا، فليست كل ميتافيزيقيا مرذولة. اما الدور الوظيفي فليس للفلسفة، بل يأتي بعديا لا قبليا، وحتما لا تجعل الفلسفة من طارح السؤال جنديا ذا مهمة غير واضحة المعالم. فكانط لم يكن يوما جنديا في كتيبة مقاتلي الانوار، ومقالته "ما هي الانوار؟" جاءت على هامش متنه المعرفي. كذلك ديكارت في شكّه، وهيغل في جدله. لكن مساهمات هؤلاء وغيرهم كانت فاتحة عصر سيقطع مع ما قبله، مؤسسا لرؤية جديدة، ولنمط جديد من تفكر حر يقطع مع جملة موروثات ولا يقدّم فروض الطاعة للمنطق الارسطوطاليسي ومبادئه الثلاثة: الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع.
عند هذه النقطة، ينبغي العودة الى القول الفلسفي بالعربية والتنقيب عن الارض التي قام عليها، وتلمّس ما سعى الى خلقه من مفاهيم ومدى نجاحه في تأسيس فكر فلسفي.
نظرة سريعة على تاريخ الفلسفة العربية تظهر انها سُلِبت جوهرها منذ البدايات، من لحظة الاستيلاء عليها في اوان تأسيسها على أيدي علماء الكلام من المعتزلة والاشاعرة. وإن كان للاوائل فضل السعي لتحرير جزئي للعقل، الا ان حلول علم الكلام كعوض عن ضائع، هو الفلسفة، ادى في ما ادى اليه، الى حرف السؤال نحو ميادين ليست من اختصاصه، وحصره في اشكاليات لم تراوح حدود درء التعارض بين العقل والنقل. مهمة لن تفارق المحدثين في ما اصطلح على تسميته بالفلسفة العربية والاسلامية، وان كان لهؤلاء فضل الترجمة الجزئية وغير الناجزة، لقدر كبير من الفلسفة اليونانية.
تراث سيسحب نفسه على مسيرة طويلة من إعمال العقل العربي في الراهن من قضايانا وسيؤدي الى تعليق الاسئلة لا بل حصرها في بوتقة افتى الشرع بجوازها. لذلك ستغيب الفلسفة العربية وتغيب معها الاسئلة ردحا طويلا من الزمن قبل ان يعود التساؤل ولكن بمهام محددة.
جميع هذه التراكمات ستحمّل القول الفلسفي ما لا يحتمل، وستمنحه وظيفة، ليجد نفسه مطالبا بإنجاز مهمة مضاعفة، النقد ونقد النقد، اي البحث عن الحداثة وعن الـ"ما بعد".
فإذا كان البعض في هذا الاطار يعتبر ان على الفلسفة ان تنقلنا الى عصر انوار عربي، وهو قول على بساطة مقاربته للامور يغفل عن امر جوهري، هو المأزق الذي اصيب به هذا العصر بعد انجازه قطيعته المعرفية. إنه مأزق نسيان الكينونة وسؤالها، وفق هايدغر. فرجل الازمنة الحديثة منهمك بالعيش الان وهنا في المكان والزمان، في ظل سيادة التقنية مغيّبا التساؤل الاساسي. وهو ما استوجب دخول فاعل جديد الى حلبة الفلسفة الغربية سماه هايدغر "الدازاين – Dasein"، او الكائن المنفتح على الكون والساعي الى إنجاز كونه عبر الانهمام بمهمة واضحة المعالم: طرح سؤال الكينونة.
وتاليا، اذا كانت سمة العصر الغربي الراهن نسيان الكائن لسؤال الكينونة، فإن سؤال الفلسفة بالعربية مصاب بنسيان مضاعف، فهو لم يطرح اساسا اسئلة تقود الى انجاز القطع الاولي بما ينتج ثورة كوبرنيكية على الصعيد المعرفي كالتي ألهمت كانط واعادت تحديد الادراك وربطه بالذات المُدرِكة وليس بالموضوعات المُدرَكة، مما انتج اعادة تشكل لمجمل تصورنا للعالم. هكذا مع غياب التساؤل الاول فإن الذات العربية لم ترث من حقبة الحداثة الا ازمة ما بعدها، اي استلاب الانسان للتقنية وانجازاتها واغفاله فعل الكون في الزمن.
الخلاصة اذاً، مهمتان تمثلان هنا وتحتاجان "دازاينا" عربيا ينهمّ بسؤال الانوار اولا وبسؤال الكينونة ثانيا. فأين يقبع هذا الكائن العربي؟
منهمك، يحارب استعمارا، يحزّ رقبة، يفجرّ نفسه ومحيطه، يطارد تحررا وطنيا غير ناجز ومنفكّ عن صنوه الاجتماعي. اما اذا قرر طرح سؤال معرفي فيتعامل معه بالاسلوب نفسه، وتحكمه اللحظة الراهنة وتحيطه مقولات الازمات.
لكن انتقال السؤال العربي من القوة الى الفعل، يتطلب تعاملا مع الزمن بشكل مختلف، خارج اطار العيش فيه كزمن قار، وهنا تكمن المشكلة. فماهية الزمن العربي قد تم تعيينها من خلال فهم للكون محدد مسبقا، ونهر هيراقليطس الدائم الجريان الذي لا ينزله احد مرتين، تحول الى بركة آسنة في المقاربة العربية للفلسفة.
الفلسفة بالعربية
عندما يجري الحديث عن فلسفة بالعربية، فإن السؤال لا يمكن ان يكون سؤالا قوميا، ويجب ألاّ يكون كذلك. ففي ذلك مقتله. اما حياته فتكمن في طرحه سؤال الفلسفة الذي يستمد صدقيته من راهنيته. ولأن راهننا مصادَر لأقوال السياسة وأفعالها، فإن جلّ الطموح هو تمرين انشائي في الفلسفة ينفكّ عن هم السياسة وما يدور حولها من اشباه علوم وايديولوجيات اضحت الرافد الاساسي الذي ابتلع ما عداه من مجالات. تمرين انشائي قد يأخذ وجهة تقوم على القطع مع الواحد التيولوجي وسلوك درب انقشاع الغشاء عن العقل بما يوفر شروط تحقق المعرفة متحررةً من الاوهام. وذلك مطلوب، لكنه قد لا يفعل. اما الأهم من ذلك في الحالتين فهو ادراكنا ان بين الكائن والكينونة سؤالين، فهل نجرؤ على طرحهما بالعربية؟ واذا ما امتلكنا الجرأة والعزم، فهل من ادوات تخوّلنا الشروع في مسألة كهذه؟ وإذا نجحنا في ذلك وأضحت المعرفة للمعرفة عنوانا ومنارة يهتدي بهما القاطع عباب بحر الاسئلة العربية المعلقة، فهل تستقيم بذلك فلسفة بلغة الضاد؟
امر سيفتح الباب حينذاك امام جملة اشكاليات ترتبط باللغة والمصطلحات، فكيف نقول على سبيل المثال هيغل وكانط وسبينوزا في لغة غير لغتهم، ولا سيما ان اهمية اللغة تكمن في كون الانسان قد خلق عبرها عالما خاصا به، فهل من اسلوب لنقل هذه العوالم الى العربية بينما المصطلح الفلسفي العربي غير مؤسس؟
اشكالية تحتاج مبحثاً اخر، لكن في هذه العجالة لا ضير من استذكار مقولة احد اساتذة الفلسفة والمشتغلين بها حين أجمل خلاصة واقع الفلسفة العربية بقوله إن "الفيلسوف العربي الوحيد الممكن اليوم هو المترجم"، اما ما عدا ذلك فتصح فيه مقولة الصمت لدى فيتغنشتاين "ما لا يمكن قوله ينبغي السكوت عنه" ■
"النهار"




















