عندما كانت اسرائيل تحت ضغط المقاومة في جنوب لبنان (حزب الله) وغزة (حماس)، أدركت ان من مستلزمات التصدي للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، الالتفاف عليهما معاً بالتفاوض مع سوريا حول قضية الجولان.
اعتقدت اسرائيل انها باعتماد مبدأ "الحل مع سوريا أولاً " تحقق ثلاثة أهداف رئيسة هي: عزل سوريا عن حماس وحزب الله، وفك الارتباط بين سوريا وايران، وتحقيق تسوية سياسية تقلل من حجم تنازلاتها فيما بعد الى الفلسطينيين، وخاصة في القدس.
تولى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ادارة المفاوضات السورية الاسرائيلية الى ان كادت تصل الى نهايتها السعيدة. وفجأة شنّت اسرائيل الحرب على غزة وارتكبت فيها من الجرائم ضد الانسانية ما أثار ذهول العالم وغضبه. فتوقفت المفاوضات مع سوريا، وكان من نتيجة ذلك سقوط مبدأ الحلّ مع سوريا أولاً ـ ولو الى حين.
حاولت المجموعة الأوروبية ان تنقذ هذا المبدأ من خلال التحركات المشتركة التي قام بها عدد من رؤساء دولها (وهي فرنسا ـ ألمانيا ـ بريطانيا ـ ايطاليا ـ تشيكيا باعتبار ان هذه الأخيرة هي رئيسة الدورة الحالية للاتحاد التي تستمر ستة أشهر) فكانت قمة شرم الشيخ مع الرئيس حسني مبارك، ومن ثم كانت قمة القدس مع رئيس الحكومة الاسرائيلية إيهود أولمرت.
كان هذا التحرك الأوروبي الجماعي وعلى المستوى العالي آخر محاولة أوروبية لاستغلال الفراغ السياسي الذي صنعته الادارة السيئة للرئيس الاميركي السابق جورج بوش.
ومما عمّق من هذا الفراغ التعامل الاسرائيلي السلبي مع المبادرة العربية للتسوية السياسية التي أقرّتها القمة العربية في بيروت ثم أكدتها قمة الرياض في العام الماضي.
ثم جاءت الحرب الاسرائيلية على غزة وما أسفرت عنه من نتائج كارثية انسانية ومعنوية ومادية لتوسّع من شقة هذا الفراغ الى حدّ يتعذر معه الحديث الآن عن اي صيغة للتسوية.
كانت المجموعة الأوروبية في سباق مع الوقت قبل ان يتسلم الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما سلطاته الدستورية ويبدأ التحرك من جديد في المنطقة على قواعد سياسية جديدة. غير ان التحرك الأوروبي اصطدم بالوقائع السياسية السلبية وانكفأ على ذاته، مقتصراً على اداء دور انساني محدود في مرحلة ما بعد الحرب على غزة، تاركاً مسرح الشرق الأوسط مرة اخرى للادارة الاميركية.
أوفد الرئيس أوباما ممثله الشخصي الجديد الى الشرق الأوسط جورج ميتشل على قاعدة "الحل مع فلسطين أولاً " الامر الذي يعني تغييراً جذرياً في الأولويات وفي المساومات السياسية. وقد كشفت الجولة الأولى من مهمة ميتشل عن أمر اساسي. وهو ان الولايات المتحدة لن تعتمد سياسة المقاطعة مع النظام في طهران التي مارستها الادارة السابقة على قاعدة إيديولوجية. ولكنها راغبة في الانفتاح عليه للتعامل مع ملفه النووي بمعزل عن القضايا الاقليمية الأخرى.
أملت هذا التغيير على ادارة الرئيس أوباما عوامل عديدة من بينها:
ـ اهتمامه بتصفية الاحتلال العسكري الاميركي للعراق تنفيذاً للتعهد الذي أطلقه على نفسه أمام الاميركيين خلال الحملة الانتخابية الرئاسية.
ـ اهتمامه بتعزيز الاحتلال العسكري الاميركي لأفغانستان بالتعاون مع دول حلف شمال الأطلسي للقضاء على الظاهرة الخطيرة المتمثلة باستعادة طالبان شعبيتها وعافيتها العسكرية.
ـ فتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي على قاعدة الاحترام المتبادل، خلافاً لتلك الصفحة السوداء التي صنعتها الادارة السابقة وفيها صوّرت الاسلام وكأنه مصدر الارهاب وليس ضحية من ضحاياه.
فالرئيس أوباما يدرك ان قضية فلسطين هي المفتاح الى العالم الاسلامي. ولذلك فهو يعطي هذه القضية الأولوية على القضايا الأخرى؛ فحلّ هذه القضية يمكّنه بسهولة من احتواء كل تداعيات الانسحاب الكامل والمبكر من العراق. ومن خلال حلّها أيضاً يمكن أن يتحوّل العالم الاسلامي الى شريك مباشر وفعّال في الحرب على التطرف والارهاب سواء كان ذلك في أفغانستان أو في الباكستان.
ومن الواضح انه من مسلتزمات اعتماد مبدأ فلسطين أولاً، إبعاد كل من مارتن انديك ودنيس روس ودانيال كورتزرتر عن ملف الشرق الأوسط، وهم من العناصر الصهيونية المؤثرة والثابتة في الادارتين الاميركيتين السابقتين (كلنتون ـ بوش) على مدى 16 عاماً !!.
والسؤال الآن: هل ينجح الرئيس أوباما في تغيير أولويات المسعى السياسي وفي تغيير المبادئ والأسس التي يقوم عليها هذا المسعى من دون استعادة الوحدة الفلسطينية بين فتح وحماس؟ من هنا أهمية الدور الذي تقوم به مصر رغم الصعوبات التعجيزية التي تواجهها. ومن هنا أهمية التنسيق المصري ـ الاميركي لإكمال مشوار المصالحة الفلسطينية.
غير ان الامتحان الأول الذي يواجهه الرئيس أوباما الآن يتمثل في موقفه من المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما يتمثل في موقفه من القدس التي تكاد تلفظ أنفاسها العربية تحت وطأة التهويد المتوحش، الذي تعاني منه بشراً وحجراً.
بالنسبة للمستوطنات تدعي وثائق اسرائيلية ان الرئيس الاسرائيلي السابق اريال شارون (الذي لا يزال فاقد الوعي في قسم العناية المركزة في احد مستشفيات القدس) انسحب من قطاع غزة بموجب اتفاق دولي مقابل تثبيت المستوطنات. واذا كان هذا الادعاء صحيحاً فانه يتناقض مع القرارات الدولية التي تؤكد على لا شرعية هذه المستوطنات. بل وعلى لا شرعية الاحتلال سواء في غزة أو في الضفة الغربية بما فيها القدس (قرارا مجلس الأمن الدولي 242 و338).
ولكن أياً تكن صعوبات وتعقيدات التحوّل من سوريا أولاً الى فلسطين أولاً، فان الرئيس الاميركي أوباما لم يعد يتطلع الى شرق أوسط جديد.. بل انه يتطلع الى الشرق الأوسط بعين جديدة !!.
المستقبل




















