تعبنا من الجري وراء أوهام الحلول المستوردة والمبادرات المعلبة التي تتحول الى فقاقيع تندثر في الهواء أو الى زبد يذهب جفاء!! ومللنا من لعبة إطلاق المبادرات الخارجية ومناورات اللعب على الكلمات والمفردات والغرق في بحر الشروط الاسرائيلية التعجيزية.
فقد انتهى عهد الأحابيل والضحك على ذقوننا ولم يعد أي عربي يصدق مثل هذه المبادرات، خصوصاً عندما يسمع ان هذا الرئيس أو ذاك قرر البدء بتحركه الميمون بالتعلم وفهم القضية واستيعاب أبعادها ومداخلها ومخارجها!
يتعلم ماذا؟ وكيف؟ بعد أكثر من 60 عاماً على نكبة قيام اسرائيل؟
فأكثر ما يغيظني أن اسمع من رئيس جديد في الولايات المتحدة، أو في الغرب انه قرر ارسال بعثة لتقصي الحقائق الى المنطقة أو انه يريد ان يستمع الى زعمائها ليفهم ويتعلم! مع ان أصغر مسؤول في العالم يعرف الحقائق ويدرك حجم الأزمة، لكنه لا يريد ان يعترف بأن استمرارها يهدد السلام والأمن العالميين وان أي تأخر في ايجاد تسوية عادلة يضر المصالح الأميركية قبل غيرها ويسحب من يد الولايات المتحدة أوراق الثقة والصدقية.
اليوم نشهد تحولاً في السياسة الأميركية بعد تسلم الرئيس باراك أوباما مقاليد الرئاسة، إذ يبدو من خطاباته ومواقفه انه سينتهج سياسة براغماتية واقعية مع وعد بإعطاء أزمة الشرق الأوسط الأولوية في حساباته وبرامجه كما بدأ خطواته الأولى بإيفاد جورج ميتشل الى المنطقة للبدء بوضع التصور العام وخريطة طريق العهد الجديد، إذا صدقت النيات.
وبكل حذر وتحفظ يجد العرب ان المنطق يدعوهم الى الانتظار لعل التوجه جدي. فالكل ينتظر ماذا سيحدث بعد انقضاء المئة يوم الأولى من عهد الرئيس أوباما وهي الفترة الزمنية الافتراضية لنجاح أي رئيس على طريقة «المكتوب يقرأ من عنوانه».
والمبرر الآخر للانتظار يكمن في معرفة اتجاهات الحكومة الاسرائيلية الجديدة بعد حسم نتائج الانتخابات العامة وهي ايضاً لعبة ممجوجة في عملية تبادل الأدوار بين يمين متطرف وطرف معتدل، وعندما ينحشر الاسرائيليون يعمدون الى حل الحكومة والدعوة الى انتخابات عامة مبكرة لأسباب واهية هدفها الاساسي كسب الوقت ونسف أي اتجاه للسلام ومواجهة أي ضغط خارجي.
نتائج هذه الانتخابات أكدت من جديد أسوأ صور هذه اللعبة، خصوصاً انها تحولت الى صراع نفوذ على السلطة بين اليمين واليمين المتطرف واليمين الأكثر تطرفاً ما يعني ان مقولة الصقور والحمائم قد سقطت وان الموجود الآن والذي سيتعامل معه العرب والعالم والرئيس أوباما حكومة متطرفة تفرض شروطها وتواصل المخطط الصهيوني مع ترك الباب مفتوحاً للسقوط وتكرار لعبة الانتخابات المبكرة في حال تعرضها للإحراج، خصوصاً في ظل التوازنات القائمة.
ولا بد من تذكير الرئيس أوباما بحقائق كثيرة تنطلق من الواقع الراهن وتصب كلها في تأمين مصالح الولايات المتحدة قبل مصالح العرب وغيرهم. أولاها الأزمة المالية التي عصفت بها وضربت العالم كله. فبيد العرب أوراق رابحة يمكن ان تسهم في إيجاد حلول لها في حال تلبية مطالبهم المشروعة والمسارعة الى ايجاد حل عادل وشامل ودائم في المنطقة على اساس قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام.
فمن يريد تأمين السلام والأمن في العالم، وفي الولايات المتحدة بالذات، عليه نزع صاعق التفجير الخطير في الشرق الأوسط وردع اسرائيل والضغط عليها لوقف تعنتها والرضوخ لإرادة السلام والاقتناع بأن الوقت لا يسير لمصلحتها لأن النصر هو للحق في النهاية مهما عربدت القوة وادعت ان الحق للقوة.
وما دام الرئيس أوباما قد خطا الخطوى الأولى بإعلان مد اليد لمصافحة من يبسطها اليه فإن عليه الآن ان يتخذ الخطوة الثانية بملاقاة العرب في منتصف الطريق بعد أن تركوا ايديهم ممدودة له ولكل من سبقه من الرؤساء، على أمل أن يستجيبوا لنداء الحق ويعملوا على حماية مصالحهم قبل مصالح أي بلد آخر.
العرب أدوا ما عليهم وأثبتوا حسن نياتهم واتخذوا السلام سبيلاً ونهجاً واستراتيجية للمستقبل عبر مبادرة السلام العربية التي أقرت بالاجماع بعد عرضها من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وبكل أسف فإن الولايات المتحدة لم تفهم الرسالة ولم تأخذ المبادرة على محمل الجد، بل تجاهلتها تماماً في عهد بوش على رغم أن معظم بنودها ينطلق من مبادرة والده التي قامت مرجعية مدريد على أساسها، فيما رفضتها إسرائيل وبادلت اليد التي مدت إليها بمزيد من الظلم والعدوان وارتكاب المذابح الوحشية.
ويبدو أن هناك بعض التغيير في المواقف من المبادرة، فالرئيس أوباما اشار إليها بجدية، وبعض القادة الإسرائيليين تحدثوا عن ايجابيات فيها، وأبدوا استعداداً للتفاوض على أساسها بانتظار تحديد موقف الحكومة الجديدة منها، علماً أن العرب قد أعلنوا في قمة الكويت أنهم لن يتركوها طويلاً معروضة على الطاولة، وبعدها فليكن ما يكون.
فعلى الجميع أن يفهم أن العرب لم يعودوا يقبضون بيانات ومبادرات وهمية ومناورات رخيصة ووعوداً براقة سرعان ما ينتهي مفعولها وتفقد صلاحياتها، فقد انتهى عهد الأكاذيب والأوهام والضحك على ذقون العرب وتحذيرهم باجتماعات وزيارات ومؤتمرات. لهذا لا بد من موقف عربي حاسم وحازم يبدأ بحل الخلافات والمضي في المصالحات التي أطلق شرارتها الأولى في الكويت الملك عبدالله من أجل توحيد المواقف ومواجهة الولايات المتحدة والعالم وإسرائيل بجدية وإرادة وحزم ووضوح.
وأوباما بالذات مطلوب منه الكثير ليقتنع بهذا الموقف العادل ليضمن لنفسه النجاح وليثبت للعالم أنه رئيس استثنائي على مستوى الثقة التي منحت له والترحيب العارم الذي استقبل به. كما أن عليه أنني فهم أن نجاحه في تحقيق السلام يعزز مكانة الولايات المتحدة وينهي حال العداء التي تكونت في عهد سلفه ويسهم في حل الأزمة المالية وتأمين المصالح الأميركية ليدخل التاريخ من أبوابه الواسعة.
فمن ينجح في الشرق الأوسط، ينجح في الولايات المتحدة ويكرس نفسه زعيماً عالمياً مميزاً. وقد حاول أسلافه ركوب هذا المركب لكنهم لم يكملوا الطريق ولم يكونوا على مستوى القضية، بل رضخوا للضغوط الصهيونية أو ارتضوا أن يكونوا متبنين لمواقف إسرائيل وشروطها المجحفة.
ولو طلب أوباما من مساعديه أكوام المبادرات والمشاريع التي قدمتها الولايات المتحدة واجهضت في مهدها لأصيب بالذهول… وعندما يعرف السبب يبطل العجب: من مشروع روجرز في عهد نيكسون مباشرة بعد حرب حزيران (يونيو) وصدور القرارين الدوليين 242 و338، إلى رحلات كيسنجر المكوكية وسياسة الخطوة خطوة التي أوقعت العرب في مطب الحلول الجزئية ثم في فخ المؤامرة التي حاكها الصهاينة لتفتيت العرب… إلى كارتر واتفاقات كامب ديفيد ثم مبادرة ريغان ومبادرة الرئيس جورج بوش الأب التي نجحت في عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ثم توقفت عنده، إلى مشاريع كلينتون، وكل ما نجم عنها من مفاوضات كامب ديفيد وخريطة الطريق واللجنة الرباعية وصولاً إلى مشروع بوش الابن الذي كرس فيه مسلمة واحدة وهي قيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية من دون أن تبصر النور بسبب التعنت الإسرائيلي والحماقة البوشية والخلافات العربية والحروب الفلسطينية – الفلسطينية. من دون أن ننسى محاولات أيزنهاور وكينيدي في فترات سابقة ثم آخر المؤتمرات العبثية في أنابوليس.
ولهذا فإن أوباما مطالب بأن يتخطى العقبات التي أعاقت تحقيق السلام ويتجنب المطبات التي وقع فيها أسلافه ويتخذ مواقف شجاعة يعيد فيها الاعتبار لبلاده. بعد أن سقطت في أتون الكراهية والأحقاد بسبب سياساتها المنحازة. فطريق النجاح يسير في اتجاه واحد هو السلام وفلسطين. صحيح أنه طريق محفوف بالمخاطر ومزروع بحقول الألغام، إلا أنه طريق الواجب والحق والشرف ودخول التاريخ من ابوابه الواسعة. وطريق الفشل له عنوان واحد وهو الشرق الأوسط من يجتازه بنجاح يصل إلى القمة ويسجل اسمه بأحرف من نور، ومن يجبن ويختار سبيل المراوغة سيدفع ثمن الفشل حتماً.
وعلى رغم كل هذه المعطيات لا نملك سوى الانتظار لمعرفة نتائج هذه التحركات وتصديق الأقوال عن الاستعداد لإعلان مبادرة عملية وجدية والاسراع بإحلال السلام في المنطقة المنكوبة على رغم سلسلة خيبات الأمل الماضية.
فهل يصلح العطار أوباما ما أفسده اسلافه من الرؤساء الأميركيين من دون استثناء وآخرهم جورج بوش، وما دمرته إسرائيل من آمال عبر الاعتداءات المنهجية المبرمجة والمذابح الوحشية التي ارتكبتها وآخرها ما شهدناه في غزة وما قامت به من بناء جدار العار وتوسيع نطاق المستعمرات الاستيطانية والاسراع بتهويد القدس.
المهم الآن هو البدء بتصحيح الأخطاء ووقف الانحياز للطرف المعتدي والبدء بالضغط على إسرائيل بغض النظر عن النهج الحاكم. ننتظر وينتظر العالم معنا لمعرفة مدى صدق أوباما وحقيقة رغباته وقدراته ثم للتأكد من مقولة ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل إن الاميركيين يرتكبون الأخطاء تلو الأخطاء على مدى السنين ولكنهم في النهاية يعودون إلى جادة الصواب ويتخذون القرار الصائب والصحيح.
نأمل ذلك.
* كاتب عربي
"الحياة"




















