جلسة الحوار الأخيرة هي جلسة أخرى من جلسات الحوار الذي يجري بين أعضاء "مجلس الملل" اللبناني. عُرفت بداية هذه الجلسات، ونُسب هذا البدء الى "مايسترو" هو رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، لكن لا أحد يعرف متى النهاية وما هي النهاية. مع كل جلسة تشخص عيون اللبنانيين على أمل أن يحظوا بمفاجأة سعيدة، مع أنهم لم يتعودوا الحصول على مفاجآت سعيدة منذ يومهم.
يشي التسلسل الطويل لجلسات الحوار في حد ذاته بالسلبية. في البدء كانت جلسات للحوار، ثم أصبحت جلسات للتشاور، حين قرّر الأب تغيير إسم مولوده. الآن عادت إلى مسمّاها الأول. فـ"الحوار" كلمة أخّاذة تليق بما يطمح اليه كل عهد رئاسي جديد من دور جامع. "رمز وحدة الوطن"، أي الرئيس، يحاول أن يحتضن رموز "التفرقة" و"التشرذم"، علّ المارد يخرج من فانوس طاولة بعبدا الحوارية، ويقنع المتحلقين حولها بطرح يعيد الوحدة والتماسك الى هذا الـ"لبنان".
ارتضى المتحاورون تقليص الآمال المعقودة عليهم. هدفهم حالياً لم يعد ابتكار حلول أو تسويات أو أيٍّ من المرادفات ذات الصلة، تنقل لبنان ولبنانييه من حال التوتر والمراوحة الى حال الإستقرار. اختزلوا فحوى اجتماعاتهم إلى لقاءات تساهم في تأمين صور جميلة لوسائل الإعلام، جميلة بما أنها توحي أن الزعماء اللبنانيين لم يعلنوا الطلاق الأخير. اختزلوها الى لقاءات تفضي فقط الى سحب بعض الشحن الذي "نُفخ" به الشارع اللبناني، أو بالأحرى "نُفخت" به الشوارع اللبنانية بقرارات للزعماء أنفسهم الذين يتحاورون الآن.
إذا عدنا الى تاريخ هذه اللقاءات، لا بد من أن نتوقف عند ذروتها الإنتاجية، التي كانت ختام جلسات الحوار الأولى. حينذاك تم اتفاق جدي على نقاط عدة، اتفاق تجاوز "لقاءات الصور" الى لقاء جدي لمتحاورين، وتم الإتفاق على سحب السلاح الفلسطيني المنتشر خارج المخيمات، من بين ما اتفق عليه. لكن هذا القرار لا يزال ينتظر التنفيذ. هذا الإنتظار يطرح مسألة مدى الجدّية في قرارات المتحاورين، التي ستظل موضع شك حتى تنفيذ هذا البند المذكور، وغيره من البنود التي كان تم الإتفاق عليها.
كل ما يحدث هو "مسرحية" تحاول تصوير التراجيديا اللبنانية بشكل كوميدي، وإقناع اللبنانيين بأن في الأفق المسدود أمام تقدمهم، وأمام إعادة الإستقرار إليهم، كوّةً ما تستطيع بث نوع من الأمل في النفوس. هذا هو الهدف من اللقاءات الحوارية. لكنه هدف انكشف للأسف بسبب سوء إدارة البنود المتفق عليها في جلسات الحوار الأولى. يقف الآن عجز المتحاورين عارياً أمام أجساد اللبنانيين. فاللبنانيون يشاركون في السياسة بأجسادهم لا بفكرهم، لأن المهدَّد هو أمنهم الشخصي. هدف الحوار هو "تقطيع الوقت"، ومحاولة سحب بعض "فتائل" التوتر من الشوارع اللبنانية. المنتظر من الحوار هو اتفاق على أسس تصلح لبناء دولة ومجتمع قادرين على البقاء في لحمة منفتحة على تغيّرات السياسة. لكن يبدو أن هاتين الأمنيتين أعلى من طاقة المتحاورين الخلاّقة. فلكلٍّ لبنانه. أما لبنان الجميع، فتحول "أيقونة" لا داعي لأن يستحضرها الساسة في سجالاتهم.
اتفق المتحاورون على أن المسألة المركزية التي ستكون مدار بحثهم هي التوصل الى "استراتيجيا دفاعية" تكون موضع اتفاق من اللبنانيين كافة. أحسنوا بهذا التوجه، فبه لامسوا المسألة المركزية التي تعرقل تطور النظام السياسي اللبناني، وتمس أسس الدولة. فهل يتم الإتفاق على أولوية مفهوم الدولة مع ما يتصل بهذا المفهوم من مركزة للأمن وللقرارات السياسية الأساسية؟ أم تبقى الحال الراهنة التي تعطي "حزب الله" مكانة أعلى من مكانة الجماعات اللبنانية الأخرى، كنتيجة لإمتلاكه قدرات تعطيه موقعاً متمايزاً عن الباقين؟ هل يبقى في استطاعة "حزب الله" منفرداً اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية من خارج أطر السلطة اللبنانية؟ تحددت المسألة الأساسية، وبعدها جاء "التمييع" الذي يُبقي حال المراوحة الراهنة، ويؤجل دائماً كل حل الى لحظة مجهولة.
تحاول قوى "المعارضة الحكومية" وحلفاؤها الى طاولة الحوار تأخير أيّ صيغة توافقية تقترح حلاً لمسألة سلاح "حزب الله"، ترجع الى الدولة هيبتها، وحصرية حقها في امتلاك السلاح، وفي اتخاذ قرارت السلم والحرب خارجياً، وقرارت فرض الأمن داخلياً. محاولة التأخير هذه تأخذ شكل إغراق المتحاورين في التطرق الى قضايا مثل توسيع دائرة المتحاورين، وتمضية وقت الجلسات في بحث أمور عادية مكانها مجلسا النواب والوزراء، كأسماء القضاة الواجب على الحكومة تعيينهم في المجلس الدستوري. المسألة الأخيرة تدلّ بوضوح على سهولة "التخريب" وصعوبة "التعمير" في لبنان. فالمجلس الدستوري الذي عطلت سلطات الدولة الدستورية عمله، بات يحتاج لكي يعود الى العمل الى سلطة أعلى مثل "سلطة جلسات الحوار".
كلٌّ من المتحاورين لم يعد مقتنعاً بوجوب التوصّل الى اتفاقات توافقية تلامس هواجس جميع اللبنانيين. كلٌّ يريد في قرارة نفسه حسم الأمور لصالح الطرف الذي ينتمي اليه. لذلك لم يعد ممكناً الحديث في السياسة قبل الإنتخابات النيابية المقبلة، لأن جميع الأطراف السياسيين ينتظرون التوازنات الجديدة التي ستفرزها هذه الإنتخابات. قوى "المعارضة الحكومية" وحلفاؤها لن يقبلوا بأي إتفاق على إحدى المسائل الخلافية قبل الإنتخابات النيابية المقبلة، لأنهم يأملون بمغادرة وضعيتهم الراهنة كأقلية في الحكم. حتى ذلك الحين، الحوار سيبقى شكلياً، وربما لن يخرج بعده عن الشكليات في حال استمراره.
أمام جلسات الحوار مهمّة العودة إلى صلب إشكالية السياسة اللبنانية والعمل على بلورة "استراتيجيا دفاعية" تعيد الى الدولة حصرية امتلاك السلاح أو أقله حصرية القرار في استعماله. في يوم العاشر من محرم، آخر أيام عاشوراء، أعلن السيد حسن نصرالله أن حوادث غزة أجهضت جدوى طرح مسألة الاستراتيجيا الدفاعية، مؤشراً الى أن لا جدوى إلا لحركات المقاومة، دونما تحديد لعلاقة هذه الحركات بدولها. قال "ان تجربة حرب تموز 2006 وتجربة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة حتى الآن من خلال الأسطورة والثبات الإعجازي اللذين تقدمانه، أعتقد أن هاتين التجربتين قد حسمتا كل نقاش حول استراتيجيا دفاعية هنا أو هناك". بتنا نحتاج الى "أسطورة" و"إعجاز" من أجل إعادة سلطات الدولة للدولة.
في الجولة الحوارية الثالثة تذرّع النائب محمد رعد بأن السيد نصر الله عرض رؤية الحزب حول الاستراتيجيا الدفاعية بالتفصيل قبل حرب تموز، وذلك عندما طالبه الرئيس امين الجميل بتقديم وجهة نظره في موضوع المناقشة. في الجولة الحوارية الرابعة تبيّن ان "حزب الله" لم ينه قراءته للوقائع المتصلة بحرب تموز. الآن هو يريد دراسة نتائج حرب غزة الأخيرة! ولن يقدم مشروعاً حول استراتيجيا دفاعية على شاكلة ما قدّمه بعض المتحاورين، فاستراتيجيته واضحة، وهي تعطيل كل اتفاق على كل مشروع، لأن ما يناسبه هو بقاء حال المراوحة الحالية التي لا تفرض عليه أيّ التزام وطني. الوضع الأمثل له هو الوضع القائم الذي يتفرد فيه في قرار الحرب والسلم.
أصبح الحوار للحوار، لا لإنتاج الحلول. فباتت "الفوضى المستطيلة" تستغرقنا، بسبب غياب مفهوم السياسة عنّا. "الفوضى المستطيلة" هي حالة ناتجة من طبيعة العرب بحسب العلامة إبن خلدون في مقدمته. يتحدث إبن خلدون عن العرب، ويصفهم بـ"ان من طبيعتهم أخذ ما في أيدي الناس خاصةً والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض، فتنمو المفاسد بذلك ويقع تخريب العمران، فتبقى تلك الأمّة كأنها فوضى مستطيلة أيدي بعضها على بعض، فلا يستقيم لها عمران، وتخرب سريعاً شان الفوضى" .
هل نكون نغالي في اكتساب سمات العرب كما رآها إبن خلدون؟ ■
"النهار"




















