لا يخلو خطاب أو موقف أو تسريب لـ«حزب الله« من تذكّر لـ7 أيار وتذكير به، صراحة أو مواربة«. حتى ليمكن القول إن 7 أيار بات عنواناً مرجعياً، سياسياً وثقافياً للحزب.. أي »عقيدة« بكل معنى الكلمة.
يبني على نظرية سقوط المشروع الإستقلالي
من وجهة نظر »حزب الله«، إن 7 أيار »تاريخ قطع« أي كان »موعد« القطع مع ما سبقه منذ 14 آذار 2005. أي ان الحزب »يؤرخ« سقوط المشروع الإستقلالي اللبناني في 7 أيار 2008.
وبسقوط المشروع الإستقلالي ـ من وجهة نظره ـ يعتبر »حزب الله« ان نتيجتين »إستراتيجيتين« تحققتا له. الاولى ان سلاحه ـ بكل مسمياته ومندرجاته ـ بات خارج البحث، أيّ بحث. والثانية ان نمطاً من الحكم جرى فرضه: يمكن لفريق أن يمتلك أكثرية نيابية ولا يحكم ويمكن لفريق آخر أن يكون أقلوياً وتكون له سلطة »فعلية«.. أي بالضبط ديكتاتورية الأقلية السياسية.
»حزب الله« والمصالحة: »تبريد« مع الإحتفاظ بالنتائج
هذه النتائج »الإستراتيجية« المتحققة له بحسب ما يعتقد، تجعله يطلق »أسماء« كثيرة على 7 أيار لكن المضمون هو نفسه. غير أن ترجمة سياسية »عملية« لما يعتبره »حزب الله« سقوطاً للمشروع الإستقلالي الـ14 آذاري، تُفضي الى مجموعة من المترتبات.
في موضوع المصالحة أولاً، لا يخفى أن »حزب الله« يريد منها إزالة »الأجواء النفسية« المشحونة من 7 أيار ـ بما هو إنقلاب وغزو عسكريان ـ مع الإحتفاظ بمضمون7 أيار، أي تكريس النتائج »الإستراتيجية« التي يعتبر انه حققها. ولذلك هو لا »يعتذر« عن 7 آيار لا أخلاقياً ولا سياسياً. ولذلك أيضاً يحاول أن يبدو في موقع من »يستدعي» الآخر الى المصالحة، كما يرد في مفردات »صقوره« وما أكثرهم. ولذلك يحاول أن يقول للآخر »ألم تفهم ما حدث في 7 أيار؟». ولذلك يحدد هدف المصالحة بـ«التبريد«. وفي سياق كل ذلك، يظهر جلياً أن »حزب الله« لا يريد من المصالحة أن تقوده الى »التعهّد« بعملية سياسية سلمية نزيهة ديموقراطية وترجمة ذلك بإجراءات تكفل أمن العملية السياسية وأمانها. يريد منها أن »يأخذ« صورة »تهدئ» الانفعال الكبير ضده في »الشارع العربي« الإسلامي.
بطبيعة الحال، إن تعاطي »حزب الله« سياسة وأسلوباً و«وسائل تعبير« مع المصالحة على النحو المشار إليه، لا يغيّر في كون المصالحة مفيدة حتى في أدنى حدود. لكن الإشارة الى تعاطي »حزب الله« معها تهدف الى تظهير أن هذا التعاطي إنما يترجم »مركزية« 7 أيار عنده.
ترجمة »العقيدة«: الحوار »مسرح إنتخابي«
وفي موضوع الحوار الوطني ثانياً، لا يخفى أيضاً أن »حزب الله« إذ يعتبر أنه فرض أن يكون سلاحه خارج »أيّ« بحث، لا يريد لمؤتمر الحوار في بعبدا أن يقتصر على نقاش »الإستراتيجية الدفاعية للدولة«. ولذلك »يُلقي» باقتراح توسيع المشاركين على طاولة الحوار. ولذلك يطلبُ توسيع جدول الأعمال بحيث »تتنوع« موضوعاته. وإذا كان »ثابتاً« أن إغراق طاولة الحوار شكلاً ومضموناً يهدف الى منع الوصول الى نتيجة محددة بشأن »الإستراتيجية الدفاعية للدولة« التي يتطلب إقرارها »تنازلات مؤلمة» من جانبه، فانّ ما لا شك فيه أن »حزب الله« يريد لطاولة الحوار أن تتحول الى »مسرح انتخابي«، أي أن تكون أحد الميادين الانتخابية له ولحلفائه. وكي تكون الطاولة »مسرحاً انتخابيا»ً لا بد ان يفتح الباب لعناوين تتيح المزايدة ضد الطائف والمزايدة الاجتماعية. أو أن تكون الطاولة ستاراً لمسرح انتخابي.
الإنتخابات.. صيغ عدة
على انّ بيت القصيد هو موضوع الانتخابات النيابية المقبلة ثالثاً. وفي هذا الموضوع »يتنقّل« الحزب من صيغة الى أخرى في التعبير.
مرة يحاول الإيحاء بـ«الثقة« بنفسه وبحلفائه، فـ«يعمّم« أن الفوز فيها محسومٌ لصالح فريقه الذي سيحصد غالبية »مريحة« كما يقول.
ومرة أخرى يحاول الإيحاء بأنه »يعرف« أن ثمة تناقضات، إنتخابية خصوصاً، داخل فريق 14 آذار، وان هذا الفريق سيخسر الانتخابات بسبب عدم وحدتِه.. الناجم أي عدم الوحدة عن هزيمة المشروع الإستقلالّي وسقوطه.
وتارة ثالثة يحاول الإيحاء بأنّ حسم الإنتخابات ممكن بدون »تكبّد« عنائها، إذا أخذت 14 آذار أو بعض أطرافها بمبدأ »الواقعيّة« السياسية«. كأن تتغيّر التحالفات وٍ«تسلّم قوى في 14 آذار بأنّ »الله لا يبدّل ما في قوم حتّى يبدّلوا ما في أنفسهم«.. أي أنّ »حزب الله« لن يتغيّر وله »الأمرة« وهو »موزّع الأرزاق«.
وتارةً رابعة بالحديث »من فوق«. كأن يسرّب أن »حزب الله« مستعدّ لأن يقبلَ بأن يكونَ زعيم »تيّار المستقبل« سعد الحريري رئيساً لأوّل حكومة بعدَ الانتخابات »مهما تكن النتائج«، أي حتّى لو خسر هو مقعده النيابيّ(!). وكأن يقول »حزب الله« انّه مستعدّ لـ«العطف« على 14 آذار بعد الإنتخابات »المضمونة سلفاً« بإعطائها »الثلث المعطّل« في الحكومة المقبلة.
وتارةً خامسة بالتذكير بأنّ ثمّة أمرَين حسما سلفاً بغضّ النظر عن الإنتخابات ونتائجها: السلاح و«الثلث المعطّل«.
لا يُخفي هذا »التنقّل« من صيغة الى أخرى أمراً جوهريّاً، وهو أنّ 14 آذار ستحصل على الأكثريّة النيابيّة مجدداً في إنتخابات 2009.. الا في حالتَي منع حصولها و«تغيير« الشعب اللبناني أو تهجيره.
.. والمقصود واحد: نتائج الانتخابات غير مهمة
ولذلك، فإنّ تذكر »حزب الله« لـ»عقيدة« 7 أيّار وتذكيره بها باستمرار، والاستخدام الدائم لصيغة »أياً تكن النتائج« أو »مهما كانت«، كلّها »أشكال« للقول إنّ حصول الانتخابات ليس مهماً في حدّ ذاته ولا في المطلق، بما أنّ نتائجها لا تقرّر في شيء، أو للقول »بلا الإنتخابات أصلاً».
انّ التمسّك بـ»عقيدة« 7 أيّار يتناقض تماماً مع العمليّة الإنتخابيّة الديموقراطيّة. هذا »ثقافياً«. ولكنّ لهذه »العقيدة« سبباً سياسياً إضافياً هو أنّ فوز »حزب الله« وحلفائه بالأكثرية متعذّر وفقاً لكلّ الحسابات الواقعيّة. ومن باب »التكرار الممّل»، يجب تذكير »حزب الله« ـ وهو حتماً لا يحتاج الى تذكير ـ بأنّ حليفه العونيّ »هابط«. وإذا أُخذ في الإعتبار أنّ مقرّبين من رئيس الجمهورية قرّروا الترشّح للانتخابات على قاعدة إعتبار الرئيس ميشال سليمان أنّ البلاد بحاجة الى »كتلة نيابيّة وطنيّة مرجّحة«، فإنّ ذلك سيعني مزيداً من خسارة الحليف العونيّ لـ»حزب الله« على صعيد التمثيل المسيحيّ. وعلى كلّ حال، فإنّ إنتقاء الرئيس لتعبير »مرجّحة« في وصف الكتلة النيابيّة التي تحتاج اليها البلاد، يلفتُ ـ أي التعبير ـ من زاوية انّ سليمان لا يتحدّث عن »كتلة أكثريّة« بل عن كتلة »ترجّح« حتّى لو لم تكن كبيرة.. وميدان ولادتها هو الأقضية المسيحية.
إذاً، إنّ »المشكلة« مع »حزب الله« ليست في قدرته على معرفة الوقائع وإحتسابها. إنّها في »عقيدة« 7 أيّار التي يشكّل خروجُه منها مفتاح حسن علاقته بالإجتماع السياسيّ، بالعمل السياسيّ.. وبالوطن.
"الحياة"




















