مع تسلم باراك اوباما رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وسط أزمات مالية وعالمية خطيرة، اخذ الكثير من المراقبين والمهتمين بالسياسة الدولية يتحدثون عن الكيفية التي سيدير بها الرئيس الجديد سياسات واشنطن تجاه منطقة الشرق الأوسط، التي يعتبرها البعض (قلب الإستراتيجية الأميركية)، ربما بسبب الأهمية الجيوسياسية الخاصة للمنطقة، باعتبارها أصبحت جزءا من منظومة الأمن القومي الأميركي، نظرا للتواجد العسكري المكثف في العراق وأفغانستان، والخليج العربي عموما، وكذلك ما بات يشار إليه كلاسيكيا على انه مصالح إستراتيجية أميركية ثابتة (النفط، وإسرائيل).
حتى هذه اللحظة، لم يصدر عن البيت الأبيض (الاوبامي) أية صياغة تظهر وجود إستراتيجية محددة المعالم تجاه هذه المنطقة المعقدة، باستثناء الحديث القديم المتجدد عن الانسحاب من العراق والتعاطي المختلف مع أفغانستان، بالرغم من أن الوضع في العراق قد جرى حسمه في نهاية ولاية الرئيس المنصرف جورج بوش عبر الاتفاقية الأمنية الشهيرة، وبالتالي فان اوباما لايملك سوى تنفيذ ما أنجزه سابقه مع إضافة اجتهادات شكلية بسيطة.
باستثناء ما سبق، يلاحظ وجود حذر أميركي مقصود تجاه قضايا المنطقة، وبالأخص منها القضية المركزية، فلسطين، ما يعني أن إدارة اوباما لاتزال، وبالرغم من قيامها بتعيين طواقم عمل من اجل الشرق الأوسط، لا تزال في فحص الاستراتيجيات المناسبة للتعامل مع واقع هذه المنطقة ومتغيراتها .
وثمة من يرى أن إدارة اوباما تسعى إلى التعامل مع هذه المنطقة عبر مقاربة إستراتيجية عالمية شاملة، تأخذ بالاعتبار ثلاث قضايا مهمة:
1 – ان هذه المنطقة، وبالرغم من خصوصيتها، تبقى جزءا من قوس الأزمات؛ أو ما تسميه المدرسة الليبرالية المثالية، والتي يشكل أنصارها غالبية في إدارة اوباما (قوس الفوضى الجنوبي) الذي يمثل الخطر المهدد للولايات المتحدة، والذي كلف واشنطن جهودا عسكرية ونفقات مالية كبيرة، وهو منبع من تسميهم واشنطن الجماعات الإرهابية (انظر كتابات جوزيف ناي وريتشارد ارميتاج بهذا الخصوص).
2- ان هذه المنطقة هي بشكل من الأشكال تحف وترتبط، جغرافيا، وبشريا، وحتى عقائديا مع اوراسيا، التي يجب أن تتحول إلى ميدان رئيسي لتوجه أميركا الجيو استراتيجي، والتي ستكون المسرح الفعلي لمستقبل التوجه السياسي العالمي، وهو مايؤكد عليه زيبغنيو بريجنسكي (القريب ولو من بعيد ) لفريق اوباما.
3 _ التركيز على مبدأ الشراكة والتحالف، وخصوصا، ضرورة أن تلعب أوروبا دورا اكبر وتتحمل مسؤولية إضافية في احتواء أو إدارة الأزمات الامنية العالمية، وذلك في ظل وجود مقاربة جامعة وشاملة لحل الأزمات المعقدة في الشرق الأوسط واوراسيا والبلقان لتحقيق الاستقرار (كتابات ريتشارد هاس عن إعادة التوازن للنظام العالمي).
لاشك أن هذا الأمر يؤشر بدرجة كبيرة إلى حقيقتين مهمتين أخذتا بالتوضح بشكل جلي في توجهات الإدارة القادمة، وهما أن هذه الإدارة ليست مستعجلة بالدرجة التي يصورها بعضهم، للتدخل سلبا أو إيجابا، برغم هالة الطاقم الذي عينه اوباما، وبرغم النشاط الديبلوماسي الذي قد يصدر باتجاه الشرق الأوسط في المئة يوم الأولى من عمر إدارة اوباما، إذ من المتوقع أن يكون نشاطا تقنيا أكثر منه سياسيا، بمعنى أن ينصب على فحص المواقع والمواقف والتوجهات، والإمكانات والفرص والمخاطر، أما الحقيقة الثانية، فهي أن إدارة اوباما ستبذل كل ما في وسعها لكل ما يحقق للولايات المتحدة الأميركية الخروج من مجموعة ألازمات التي وضعتها فيها إدارة الرئيس السابق، كالأزمة المالية، وأزمة القيادة العالمية، وكل سلوك سياسي ستقيمه على هامش ذلك سيكون الهدف منه خدمة القضية الأساسية، وهي تخريج أميركا من أزماتها.
يتزامن كل ذلك مع صدور العديد من المبادرات داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، وخاصة الجناح اليساري منه، والتي تضمنت رؤى ودراسات وبرامج جديدة، تنتقد في مجملها انخراط الإدارة الأميركية السابقة في ما تسميه (القوة الغبية)، والتي بالرغم من هيمنتها و تفوقها في امتلاك القوة القاسية (hard power) الا انها محدودة القوة في مواجهة تحديات السياسة الخارجية، والتي أدت إلى حدوث تلاش كبير في هيبة ومركز أميركا، وتدعو إلى تحويل تلك القوة إلى (قوة ذكية) لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، واغتنام الفرصة السانحة للانخراط في حوار وطني داخلي حول أفضل السبل لاجتذاب دعم أصدقائها وحلفائها في خدمة ضمان مصالحها للأمن القومي.
لاشك أن الهدف الأساسي لإدارة اوباما، هو إصلاح السياسات الداخلية والخارجية، وإعادة صياغتها بما يوفر القدرة للولايات المتحدة الأميركية، ويضمن لها الحفاظ على موقعها كقوة عظمى؛ وهذا هو التحدي الأساسي الذي يواجه إدارة اوباما وحتى كل النخبة الأميركية، وبالتالي فان كل الجهود ستنصب على هذا الهدف، ولحين ملامسته أو الاقتراب منه، ربما نرى الصيغة الحقيقية لسياسة اوباما الشرق أوسطية.
المستقبل




















