يعتبر قطاع غزة بنظر الإسرائيليين جزءاً من أرض "إسرائيل الكبرى" ويستندون في ذلك إلى روايات صنعها أحبارهم في التوراة المحرّفة. وهي الأرض المقدّسة التي أمر الرب بالمحافظة عليها، واعتبر التفريط بها خيانة للدين. وسبق ان اعتبر الإسرائيليون احتلالها عام 1967 عملاً دينياً يرضي الرب ويدفعه إلى مدّ المزيد من العون "لشعبه المختار". ومخالفة ذلك يغضبه ويجعله يسلط عليهم سوء العذاب على شكل هزائم أو أمراض أو مجاعة.
لكن شمعون بيريز خرج في كتابه الشهير "الشرق الأوسط الجديد": بفكرة غزة أولاً في العام 1980 وقال: "اعتقدت ان ممّا يسهّل الأمور أن نتمكن من التوصّل إلى اتفاق على مرحلتين: غزة أولاً فالضفة الغربية لاحقاً، وقد فضّلت فكرة غزة أولاً لأنها على خلاف القدس وكنت على قناعة بأننا لن نقوم بأية مساومة هناك، فغزة لا تتميز بأي حساسية عاطفية أو سياسية وبخلاف الضفة الغربية ليست حافلة بالمستوطنات، ولا تتوافر لدى إسرائيل الموارد لإنعاش قطاع غزة أو لتخفيف محنة سكانه، كما ليس بمقدورنا أن نتوافق مع مشكلة اللاجئين الحادة في منطقة تقع تحت سيطرتنا، فما هي فائدة السيطرة إن كنا لا نستطيع تحسين الأوضاع، وما هو تفويض إسرائيل الأخلاقي؟ ما هي أرضيتنا السياسية؟ لقد أخذ شمشون، في زمانه خطوة حاسمة، حين هدم المعبر في غزة، ولا فائدة تُرجى من تكرار فعلته".
وأعاد طرح فكرة غزة أولاً رئيس الحكومة السابق إيهود باراك الذي تفاخَر لاحقاً بالأبوّة الايديولوجية لـ"خطة الانفصال". بعد أن اكتشف في كامب ديفين العام 2000 انه "لا شريك له" في الجانب الفلسطيني، واقترح انفصالاً وحيد الجانب عن معظم المناطق وضمّ كتل المستوطنات إلى إسرائيل من وراء الجدار، حتى تنضج الظروف لتجديد المفاوضات.
أما أرئيل شارون، فمنذ فوزه في انتخابات رئاسة الحكومة في العام 2001 وفوزه اللاحق برئاسة الحكومة بموجب نتائج انتخابات الكنيست السادسة عشرة، فجدّد مشروع "الفصل أو الانفصال" الذي أشار إليه في خطابه في مؤتمر هرتسليا الرابع أواخر العام 2003 بقوله: "إذا امتنع الفلسطينيون بعد عدّة أشهر عن تنفيذ ما هو مطلوب منهم بالنسبة لخارطة الطريق فعندها ستبادر إسرائيل لإجراء أمني أحادي الجانب في اطار الانفصال عن الفلسطينيين..".
وكان في اعتقاد شارون "ان خطة الانسحاب تنطوي على مزايا أمنية كبيرة لإسرائيل. فالخطة ستؤدي إلى واقع أمني أفضل، وان استعدادات قوّات الأمن الإسرائيلية حول قطاع غزة، ستكون بشكل تسيطر فيه إسرائيل على المجال الحيوي والبحري والجدار المحيط بالقطاع. وسيكون بالإمكان الدخول إلى مواقع معينة، تشكل خطراً على مواطني إسرائيل. فضلاً عن انّ خطة الانسحاب من قطاع غزة، تشكل فرصة للتخلص من كابوس المقاومة، وقد صرح شارون قائلاً: "في حرب 1973 حيث استخدمت الدبابات والطائرات، ودارت معارك كبيرة، وخسرت إسرائيل ثلاثة آلاف من الجنود، ولكن إسرائيل بعد الحرب، أصبحت أكثر أمناً، وخفضت جيشها فرقتين، ودخلت معاهدة مع مصر. أما مع هؤلاء ـ يقصد الفلسطينيين ـ فإنه دون دبابات وطائرات، خسرت إسرائيل ألف قتيل وأربعة آلاف جريح وأكثر من 2000 مقعد، واستنزفت الاقتصاد الإسرائيلي، وعاد كما كان عليه في عام 1952، وبهذا باتت إسرائيل لا تشعر بالأمن.
ومؤخراً، اتمّ الجيش الإسرائيلي، بسرعة لافتة، انسحابه من قطاع غزة ليكتشف انه دخل حرباً عبثية تبخّرت أهدافها. فقد كان أول هدف للحرب وقف إطلاق صواريخ القسام؛ وهذا الاطلاق لم ينقطع حتى يومها الأخير، وبحسب تقديرات الجهات الأمنية بقي عند "حماس" أكثر من 1000 صاروخ، تم وقف إطلاق الصواريخ بعد أن أحرز اتفاق هدنة، وهذا الاتفاق أحرز في حزيران الماضي أيضاً بغير حرب، ولم يتم أيضاً إحراز هدف الحرب الثاني وهو وقف التهريبات، فقد قدّر رئيس الشاباك ان التهريب سيتجدّد في غضون شهرين، حتى لو قبلنا حملة التخويف والمبالغة التي تصحب هذه التهريبات، التي يرمي أكثرها إلى كسر كسرة للسكان في الحصار ويرمي أقلها فقط إلى تهريب السلاح، فإنّ هذه الحرب قد برهنت على ان سلاحاً ضئيل الشأن وقليلاً جاز في الإنفاق، وسيظل يجوز فيها الهدف الثالث فلا يوجد ردع، فضلاً عن ان تتويج عملية "الرصاص المصهور" على أنها "انجاز عسكري" كما يقول الجنرالات والمحللون ليس حقيقة.
ويعتقد الإسرائيليون ان هناك ثمنا باهظا جبي وسيجبى بعد الحرب التي سببت أضراراً بالغة بتأييد الرأي العام العالمي لإسرائيل، فقد قدمت إسرائيل كدولة عنيفة وخطرة، لا يوقفها شيء ولا يكبح جناحها شيء وتتجاهل بفظاظة قرارات مجلس الأمن وتستخف بالقانون الدولي.
"المستقبل"




















