مشكلة الدراسات أنها حولت العولمة إلى "سردية كبرى" جديدة للعلوم الاجتماعية. ولا يأتي هذا القول من باب أي التزام بمدركات ما بعد الحداثة، بل للشعور بأن مفهوم العولمة يعد بالكثير ولا يقدم حتى القليل.
لقد منح مفهوم العولمة للنظرية السوسيولوجية دوراً ومكانة لم تكن تتمتع بهما منذ عقدين. وإن التصور الرئيسي للعولمة في الدراسات السوسيولوجية والثقافية يتعاطى مع العمليات الكونية والاستجابات المحلية لها، كجزء من ميل طويل الأمد في اتجاه إذابة "المجتمعات" القومية التي تلعب فيها الأسباب الناشئة داخل حدودها الثقافية والسياسية دور العامل المقرر للنتائج الاجتماعية، ولكن هل ثمة مستقبل للدولة القومية بوصفها موضعاً أساساً للتحكم؟ وما هي قدرات هذه الدولة على الاستمرارفي عالمنا المعاصر؟
صحيح أن قدرات الدولة القومية على التحكم قد تغيرت بل وضعفت من نواح عدة (خصوصاً قيام الدولة بإدارة الاقتصاد القومي الكبير ـ الماكرو) إلى حد كبير، إلا أنها بقيت مؤسسة محورية، لاسيما من ناحية خلق الظروف اللازمة للتحكم العالمي الفعال. ويطرح الكتاب نقاط رئيسية في بحث إمكانات التحكم ودور الدولة:
1- إذا كان الاقتصاد العالمي لا يتطابق، مع نموذج النظام الاقتصادي المعولم، فإن الدول القومية تحتفظ بدور كبير تلعبه في ميدان التحكم الاقتصادي، على مستوى العمليات القومية والعالمية معاً.
2- إن الأشكال الناشئة من التحكم بالأسواق العالمية وغيرها من العمليات الاقتصادية تتضمن الحكومات القومية الكبرى ولكن في دور جديد. إنها تتقلص من حيث أنها تقوم بوظيفة كيانات "ذات سيادة"، وتتسع من حيث أنها عناصرمكونة لـ"شبه كيان سياسي" عالمي.
3- على الرغم من ادعاء سيطرة الدولة القومية الحصرية على أراضيها قد تقلصت بفعل الأسواق العالمية ووسائل الاتصال الجديدة، فإنها ماتزال تحتفظ بدور مركزي واحد يكفل لها قدراً كبيراً من السيطرة على الإقليم، وهذا منحها شرعية محددة، فريدة عالمياً، في ضبط السكان والنطق باسمهم.
لقد أصبح مجتمع الدول عالم كيانات مكتفية بذاتها، حيث يتصرف كل كيان حسب مشيئته (بُل 1977). وصارت العلاقات الدولية ترى مثل تفاعلات "كرة البليارد"، فهي مقيدة بالاعتراف المتبادل، وواجب الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى (مورس 1971). وعليه فقد كانت فوضى مجتمع التفاعلات الخارجية بين الدول، واستقلاليتها الذاتية عن بعضها البعض، شرطاً مسبقاً لقدرتها الفعالة على احتكار السلطة في الداخل.
وإذا كان توسع النزعة القومية يعتمد على نطاق "السيادة"، فإنه يقتضي أنماطاً معينة من الامتثال الثقافي للمواطنة. ومن هذه الناحية، فإن بزوغ النزعة القومية لم يعدل من الفهم للدول بوصفها هيئات ذات "سيادة"، بل صار يشترط وجود هذا الفهم.
إن مفهوم الرقعة الجغرافية المتجانسة ثقافياً وبالتالي ذات السيادة المشروعة يمكن أن يبرر كلاً من تشكيل الدول وتجزئتها. وقد أدت مختلف موجات النزعة القومية ابتداء من مطلع القرن التاسع عشر فصاعداً إلى زيادة عدد نفوس مجتمع فوضى الدول ذات السيادة، من دون أن تغير طبيعته. والحق، إن كانت النزعة القومية قد فعلت شيئاً، فإنها زادت من عسر التعاون الدولي، معززة فكرة الجماعة القومية بوصفها سيدة مصيرها.
لقد تغير هذا التصور عن الدولة تغيرا يفوق التصور. فثورات عام 1989 في أوروبا الشرقية وما تلاها، أدت إلى استشراء التصور عن العالم المعاصر بوصفه عالماً تفقد فيه الدول القومية قدراتها على التحكم،وتخلي فيه العمليات الجارية على المستوى القومي مكان الأولوية للعمليات الكونية. في هذه المرحلة من التحولات الدولية راجت مقولة "نهاية الدولة القومية "، أي عدم فاعلية هذه الدولة أمام العمليات الاقتصادية والاجتماعية الكونية. وبمعنى أوضح أن السياسات والخيارات السياسية القومية قد نُحيت جانباً بفعل قوى السوق العالمي التي باتت أعتى من أكثر الدول جبروتاً. فالرأسمال متحرك، حر من أية روابط قومية، وهو يستقر حيثما تمليه المنافع الاقتصادية، أما العمل فهو مستقر قومياً وجامد نسبياً، وأن عليه أن يعدل آماله السياسية كيما يواجه الضغوط الجديدة للقدرة التنافسية العالمية. وبهذا المعنى فإن الدولة القومية كفّت عن أن تكون هيئة فعالة للإدارة الاقتصادية. ولم تعد لها من وظيفة سوى أن تقدم تلك الخدمات الاجتماعية والعامة التي يراها الرأسمال العالمي ضرورية، شريطة أن تفعل ذلك بأدنى كلفة ممكنة.
لقد تحولت الدول القومية إلى سلطات محلية للنظام الكوني، وإن وظيفة هذه الدول باتت شبيهة بوظيفة البلديات داخل الدول قبلئذ، عليها أن تقدم الهياكل الارتكازية والسلع العامة التي تحتاجها الشركات بأدنى تكلفة ممكنة.
وهكذا أصبح خطاب العولمة هبة من السماء بالنسبة لليمين السياسي في البلدان الصناعية المتقدمة. إذ مد هذا اليمين بحبل النجاة بعد الفشل الكارثي الذي أحاق بتجارب سياسته النقدية والفردية الرادكالية خلال عقد الثمانينات. أما بالنسبة لليسار الرادكالي، فإن مفهوم العولمة يوفر له خلاصاً من مأزق سياسي مختلف. إذ يمكن لليسار، بعد أن واجه انهيار اشتراكية الدولة وانهيار نضالات العالم الثالث المعادية للامبريالية، أن يرى في العولمة دليلاً على استمرار واقع النظام الرأسمالي العالمي. كما يستطيع أن يرى فيها عقم استراتيجيات الإصلاحات الديمقراطية الاجتماعية على الصعيد القومي. وإن اليسار الثوري ربما ضعف، لكن ليس بمقدور الإصلاحيين الادعاء بأن لديهم سياسات براغماتية، فعالة.
لا شك يمكن لليسار واليمين أن يحتفيا، على نحو متبادل، بنهاية حقبة الكينزية. بعدما خلقت الإدارة الاقتصادية والعمالة الكاملة والنمو المستديم، والإنتاج الجماهيري الموحد، والتعاون التشاركي بين الصناعة والنقابات والدولة، الشروط الموائمة لتوطيد النفوذ السياسي لنقابات العمال، وبعدما تم حصر التوجهات السياسية الموثوقة على طريق وسطي إصلاحي.
[ الكتاب: ما العولمة؟ الاقتصاد العالمي وإمكانات التحكم
[ الكاتب: بول هيرست وجراهام طومبسون
[ الترجمة: فالح عبد الجبار
[ الناشر: دراسات عراقية، بيروت، بغداد 2008
المستقبل




















