بعد أن أسفرت الانتخابات البرلمانية المبكرة لانتخاب الكنيست الثامن عشر عن فوز معسكر اليمين الإسرائيلي بأغلبية المقاعد بات واضحا صعود التيارات اليمينية المتطرفة، وظهور ميل عام لدى الإسرائيليين نحو التطرف والعنصرية، وقطع الطريق على ما يقوم به المجتمع الدولي، وخاصة إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، من مساعٍ لإحلال السلام العادل في المنطقة.
لقد قدمت الانتخابات الإسرائيلية وجه إسرائيل على حقيقته، وجه العنصرية الفاقعة، التي تقطع مع السلام وشروطه والتزاماته، عنصرية الكراهية والعداء المكشوف للفلسطينيين والعرب، والمستند على القوة والحروب المفتوحة. والسؤال الأكثر إثارة اليوم هو هل الميل الراهن في إسرائيل مرحلي ومؤقت أم بنيوي مجتمعي ؟
نستعيد هنا ما قاله أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس، البروفسور باروخ كيمرلينغ، المعروف بأبحاثه النقدية، عشية انتخابات الكنيست السابعة عشرة سنة 2006، بشأن الكراهية المتأصلة للفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي: مما لا شك فيه أنّ الإسرائيليين، في معظمهم، يفضّلون أن يفيقوا ذات صباح صافٍ ليكتشفوا أنّ الفلسطينيين قد اختفوا، أو تبخروا بطريقة عجيبة، وأنّ هذا الصراع كله، وحقيقة وجود عرب بين ظهرانينا ومن حولنا وفي أي مكان، كان مجرد كابوس ليس إلا، أو كان حلما سيئا تبدد.
وهكذا، فإنّ انتخابات العام 2009 هي الأهم في تاريخ إسرائيل من حيث المعاني والدلالات، فيهودية الدولة هنا أمام مأزق تاريخي كبير، وليس أمام هذه الدولة إلا أن تتحول إلى دولة عنصرية مكشوفة دون أدنى قدرة على الخداع والتضليل، إذ أنّ شعارات ليبرمان، زعيم حزب " إسرائيل بيتنا "، عن الولاء للدولة لا تحمل أي جديد سوى تكريس مفهوم الحزب الفاشي في الدولة اليهودية. وليس في ذلك أي جديد، فلقد اختارت إسرائيل منذ تأسيسها النموذج النازي في الجيش، واعتبرت الجيش بوتقة انصهار المجتمع.
إنّ إسرائيل تعاود الهروب إلى الأمام، تنهض بكل ما فيها من عنصرية وتطرف وكل ما تخبئه من كراهية للمنطقة وشعوبها، وتقول للعالم إنها على أبواب مرحلة جديدة، تسجل فيها عنصريتها ذروة غير مسبوقة.
وفي المقابل، هناك الآن تحول جذري في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، خاصة بعد محرقة غزة، حيث بات يتمسك تمسكا جديا بحل الدولتين، وإلا بحل الدولة الواحدة لكل مواطنيها العرب والإسرائيلين. كما أنّ الإدارة الأمريكية الجديدة، تؤكد جديتها في التعاطي مع المشكلة المزمنة في الشرق الأوسط، وهي تستشعر دعم المجتمع الدولي لها في تحركها هذا، مثلما هي واثقة بالرغبة العربية في الانتهاء من هذه الأزمة التي تخيم على المنطقة منذ عدة عقود، وتعيق تقدمها وتطورها نحو قضايا العصر في التنمية المستدامة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
والسؤال هو: ماذا يعدُّ الجانب الفلسطيني تحديدا، والعربي عموما، للتعامل مع مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية ؟
يبدو، بخلاف ما يقوله وما يكتبه المتطرفون عندنا، أنه علينا أن نزداد تمسكا بعملية السلام وأن نتحرك بسرعة نحو العالم، الذي لم تعد إسرائيل – لأول مرة – تحتكر تعاطفه ولا تنفرد باختطاف ضميره، لإقناعه بأنّ هذه الدولة هي المارقة فعلا، وأنها هي أهم محفِّز لكل هذا التطرف الذي تعيشه هذه المنطقة، وأنه إذا بقي الإسرائيليون يتعاملون مع القضية الفلسطينية بكل هذا العنف والتجبر فإنّ الإرهاب سيتنامى، وسيصبح من غير الممكن إطلاقا إغلاق أبواب الغرب أمامه وأمام أفعاله الإجرامية.
هذه فرصة الشعب الفلسطيني لكي يعيد حساباته، ويعيد ترميم بيته الداخلي، ويعيد ويراجع مسيرته ويتنبه لطريقة أدائه، لأنّ المرحلة القادمة هي مرحلة انزلاق إسرائيل نحو العزلة ونحو التقوقع ونحو العنصرية المكشوفة، التي يرفضها العالم المتحضر.
إنّ فلسطين الموحدة والواقعية، التي تحمل مشروعا وطنيا تحرريا ينسجم مع الشرعية الدولية والقانون الدولي، هي التي تحدد الفترة الزمنية لخريف إسرائيل، وإذا فهمت القيادات الفلسطينية المعادلة الجديدة فإنّ إسرائيل، العدوانية والتوسعية والعنصرية، قابلة للانكسار في المديين القريب والمتوسط.
والراهن أنّ الدبلوماسية العربية مدعوة للتعامل بأساليب جديدة مع هذا التطور، والعمل على الساحة الدولية بجهد حقيقي، لكشف الوجه العنصري المتطرف لإسرائيل، وهو وجه لم تحاول العنصرية الصهيونية إخفاء تفاصيله، وبات واضحا أنه ليس مجرد قناع للساسة، بقدر ما هو قناعة شعبية، برزت بشكل ساطع في الانتخابات الأخيرة، على شكل انحياز شعبي لليمين المتطرف، أعطاه اليد العليا لقيادة إسرائيل في المرحلة المقبلة.
إنّ مشكلة إسرائيل لا تبدو الآن في وجود شخصيات أو أحزاب متطرفة، بل باتت تكمن في مجتمع ينحو بغالبيته إلى التطرف ويرفض إقامة السلام مع الفلسطينيين وبقية العرب. ومشاركة الأحزاب الدينية، المسؤولة عن حركات الاستيطان المتطرف، في الحكومة الإسرائيلية الائتلافية القادمة من شأنه أن يضفي على الإرهاب الاستيطاني ضد الفلسطينيين شرعية سياسية، ويضخ موارد مالية وإرادات سياسية جديدة، من شأنها أن تحوّل هذا الإرهاب إلى سلوك اعتيادي ضمن منظومة العنف الهيكلي ضد الآخر الفلسطيني والعربي، وهو أمر ناتج عن الإجماع الوطني في داخل إسرائيل على من هو الآخر العدو، وهو أمر لا يختلف عليه حزب ديني أو حزب يميني متطرف.
تونس في 15/2/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 19/2/2009.




















